محمد بن يعلي بن عامر الضبي

103

أمثال العرب

إلى حصن له فأنزلها إياه ، وتم حملها ، فولدت غلاما فسمته عمرا ، حتى إذا ترعرع ألبسته من طرائف ثياب الملوك ثم أزارته خاله ، فلما دخل عليه ألقيت عليه منه المودة ، وقذف له في قلبه الرحمة . ثم إن الملك خرج في سنة مكلئة خصيبة قد أكمأت ، فبسط له في بعض الرياض ، وخرج ولدان الحيّ يجتنون الكمأة ، وخرج عمرو فيهم فكانوا إذا اجتنوا شيئا طيبا أكلوه ، وإذا اجتناه جعله في ثوبه ، ثم أقبلوا يتعادون ، وأقبل معهم وهم يقول « 1 » : هذا جناي وخياره فيه * إذ كلّ جان يده إلى فيه ثم استطارته الجنّ فلم يحسسن ، ثم اقبل رجلان من بلقين يقال لهما مالك وعقيل ، قد اعتمدا جذيمة بهدية معهما ، فنزلا في بعض الطريق ، وعمدت قينة لهما فأصلحت طعامهما ثم قربته إليهما ، فأقبل رجل طويل الشعر والأظافير حتى جلس منهما مزجر الكلب ، ثم مدّ يده فناولته القينة من طعامهما ، فلم يغن عنه شيئا ، ثم أعاد يده فقالت القينة : أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا « 2 » ، فأرسلتها مثلا ، ثم سقتهما شرابا لهما من زقّ معهما ، ثم وكت الزقّ ، فقال عمرو : عدلت الكأس عنا أمّ عمرو « 3 » ويروى صددت . فسألاه عن نسبه ، فانتسب لهما ، فنهضا إليه وقرباه ، ثم غسلاه ونظفاه ، وألبساه من طرائف ثيابهما وقدما به على جذيمة ، فجعل لهما حكمهما ، فقالا : منادمتك ما بقيت وبقينا ، فهما ندمانا جذيمة اللذان يقول متمم بن نويرة حين رثى أخاه يذكرهما « 4 » : وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول افتراق لم نبت ليلة معا وقال آخر « 5 » : ألم تعلما « 6 » أن قد تفرّق قبلنا * نديما صفاء مالك وعقيل وأمر جذيمة بصرف عمرو إلى أمه ، فتعهدته أياما حتى راجعته نفسه وذهب شحوبه ، ثم ألبسته من طرائف ثياب

--> ( 1 ) انظر أيضا الوسيط : 184 . ( 2 ) الأغاني : 15 : 251 « إن يعط العبد كراعا يبتغ ذراعا » وجمهرة العسكري : 1 : 107 وفصل المقال : 397 وجمهرة ابن دريد : 2 : 386 والمستقصى : 149 ، واللسان ( كرع ) . ( 3 ) هما قوله : صددت الكأس عنا أم عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو * بصاحبك الذي لا تصبحينا . ( 4 ) هي المفضلية رقم : 67 وانظر « نديما جذيمة » في ثمار القلوب : 182 . واللسان : ندم . ( 5 ) هو أبو خراش الهذلي ، وهذا البيت من قصيدة له في ديوان الهذليين : 1190 والأغاني : 15 : 252 وجمهرة العسكري : 1 : 108 والعقد : 3 : 372 . ( 6 ) الرواية الصحيحة : ألم تعلمي ، لأنه يخاطب زوجة أخيه .