ابن حجر العسقلاني
527
فتح الباري
بأن الكفارة بعد الحنث فرض واخراجها قبله تطوع فلا يقوم التطوع مقام الفرض وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث والا فلا يجزئ كما في تقديم الزكاة وقال عياض اتفقوا على أن الكفارة لا تجب الا بالحنث وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث واستحب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري تأخيرها بعد الحنث قال عياض ومنع بعض المالكية تقديم كفارة حنث المعصية لان فيه إعانة على المعصية ورده الجمهور قال ابن المنذر واحتج للجمهور بأن اختلاف ألفاظ حديثي أبي موسى وعبد الرحمن لا يدل على تعيين أحد الامرين وانما أمر الحالف بأمرين فإذا اتى بهما جميعا فقد فعل ما أمر به وإذا لم يدل الخبر على المنع فلم يبق الا طريق النظر فاحتج للجمهور بأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء وهو كلام فلان تحله الكفارة وهو فعل مالي أو بدني أولى ويرجح قولهم أيضا بالكثرة وذكر أبو الحسن بن القصار وتبعه عياض وجماعة ان عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر صحابيا وتبعهم فقهاء الأمصار الا أبا حنيفة مع أنه قال فيمن أخرج ظبية من الحرم إلى الحل فولدت أولادا ثم ماتت في يده هي وأولادها ان عليه جزاءها وجزاء أولادها لكن إن كان حين اخراجها أدى جزاءها لم يكن عليه في أولادها شئ مع أن الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل ان تلد أولادها فيحتاج إلى الفرق بل الجواز في كفارة اليمين أولى وقال ابن حزم أجاز الحنفية تعجيل الزكاة قبل الحول وتقديم زكاة الزرع وأجازوا تقديم كفارة القتل قبل موت المجني عليه واحتج للشافعي بأن الصيام من حقوق الأبدان ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة والصيام بخلاف العتق والكسوة الاطعام فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة ولفظ الشافعي في الام ان كفر بالاطعام قبل الحنث رجوت أن يجزئ عنه وأما الصوم فلا لان حقوق المال يجوز تقديمها بخلاف العبادات فإنها لا تقدم على وقتها كالصلاة والصوم وكذا لو حج الصغير والعبد لا يجزئ عنهما إذا بلغ أو عتق وقال في موضع آخر من حلف فأراد أن يحنث فأحب إلي أن لا يكفر حتى يحنث فان كفر قبل الحنث أجزأ وساق نحوه مبسوطا وادعى الطحاوي ان الحاق الكفارة بالكفارة أولى من إلحاق الاطعام بالزكاة وأجيب بالمنع وأيضا فالفرق الذي أشار إليه الشافعي بين حق المال وحق البدن ظاهر جدا وانما خص منه الشافعي الصيام بالدليل المذكور ويؤخذ من نص الشافعي ان الأولى تقديم الحنث على الكفارة وفي مذهبه وجه اختلف فيه الترجيح ان كفارة المعصية يستحب تقديمها قال القاضي عياض الخلاف في جواز تقديم الكفارة مبني على أن الكفارة رخصة لحل اليمين أو لتكفير مأثمها بالحنث فعند الجمهور انها رخصة شرعها الله لحل ما عقد من اليمين فلذلك تجزئ قبل وبعد قال المازري للكفارة ثلاث حالات أحدها قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقا ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف وقد اختلف لفظ الحديث فقدم الكفارة مرة وأخرها أخرى لكن بحرف الواو الذي لا يوجب رتبة ومن منع رأى أنها لم تجز فصارت كالتطوع والتطوع لا يجزئ عن الواجب وقال الباجي وابن التين وجماعة الروايتان دالتان على الجواز لان الواو لا ترتب قال ابن التين فلو كان تقديم الكفارة لا يجزئ لا بأنه ولقال فليأت ثم ليكفر لان تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز فلما