ابن حجر العسقلاني
503
فتح الباري
من رواية مالك والنسائي وابن ماجة من رواية سفيان الثوري كلاهما عن أبي الزناد وأخرجه مسلم من رواية عمرو بن أبي عمر وعن الأعرج وتقدم في أواخر كتاب القدر من طريق همام عن أبي هريرة ولفظه لم يكن قدرته وفي رواية للنسائي لم أقدره عليه وفي رواية ابن ماجة الا ما قدر له ولكن يغلبه النذر فأقدر له وفي رواية مالك بشئ لم يكن قدر له ولكن يلقيه النذر إلى القدر قدرته وفي رواية مسلم لم يكن الله قدره له وكذا وقع الاختلاف في قوله فيستخرج الله به من البخيل ففي رواية مالك فيستخرج به على البناء لما لم يسم فاعله وكذا في رواية ابن ماجة والنسائي وعبدة ولكنه شئ يستخرج به من البخيل وفي رواية همام ولكن يلقيه النذر وقد قدرته له أستخرج به من البخيل وفي رواية مسلم ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج ( قوله ولكن يلقيه النذر إلى القدر ) تقدم البحث فيه في باب القاء العبد النذر إلى القدر وان هذه الرواية مطابقة للترجمة المشار إليها قال الكرماني فان قيل القدر هو الذي يلقيه إلى النذر قلنا تقدير النذر غير تقدير الالقاء فالأول يلجئه إلى النذر والنذر يلجئه إلى الاعطاء ( قوله فيستخرج الله ) فيه التقات ونسق الكلام أن يقال فاستخرج ليوافق قوله أولا قدرته وثانيا فيؤتيني ( قوله فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل ) كذا للأكثر أي يعطيني ووقع في رواية الكشميهني يؤتني بالجزم ووجهت بأنها بدل من قوله يكن فجزمت بلم ووقع في رواية مالك يؤتى في الموضعين وفي رواية ابن ماجة فييسر عليه ما لم يكن ييسر عليه من قبل ذلك وفي رواية مسلم فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد ان يخرج وهذه أوضح الروايات قال البيضاوي عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة أو دفع مضرة فنهي عنه لأنه فعل البخلاء إذ السخي إذا أراد أن يتقرب بادر إليه والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شئ من يده الا في مقابلة عوض يستوفيه أولا فيلتزمه في مقابلة ما يحصل له وذلك لا يغنى من القدر شيئا فلا يسوق إليه خيرا لم يقدر له ولا يرد عنه شرا قضى عليه لكن النذر قد يوافق القدر فيخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليخرجه قال ابن العربي فيه حجة على وجوب الوفاء بما التزمه الناذر لان الحديث نص على ذلك بقوله يستخرج به فإنه لو لم يلزمه إخراجه لما تم المراد من وصفه بالبخل من صدور النذر عنه إذ لو كان مخيرا في الوفاء لاستمر لبخله على عدم الاخراج وفي الحديث الرد على القدرية كما تقدم تقريره في الباب المشار إليه وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أنس ان الصدقة تدفع ميتة السوء فظاهره يعارض قوله إن النذر لا يرد القدر ويجمع بينهما بأن الصدقة تكون سببا لدفع ميتة السوء والأسباب مقدرة كالمسببات وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الرقي هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله أخرجه أبو داود والحاكم ونحوه قول عمر نفر من قدر الله إلى قدر الله كما تقدم تقريره في كتاب الطب ومثل ذلك مشروعية الطب والتداوي وقال ابن العربي النذر شبيه بالدعاء فإنه لا يرد القدر ولكنه من القدر أيضا ومع ذلك فقد نهى عن النذر وندب إلى الدعاء والسبب فيه ان الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله والتضرع له والخضوع وهذا بخلاف النذر فان فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل إلى حين الضرورة والله أعلم وفي الحديث ان كل شئ يبتدؤه المكلف من وجوه البر أفضل مما يلتزمه بالنذر قاله الماوردي وفيه الحث على الاخلاص في عمل الخير وذم البخل وان من اتبع المأمورات