ابن حجر العسقلاني
500
فتح الباري
أنيسة متابعا لفليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث فذكر نحوه بتمامه ولكن لم يسم الرجل وفيه ان ابن عمر لما قال له أوف بنذرك قال له الرجل إنما نذرت أن يمشي ابني وإن ابني قد مات فقال له أوف بنذرك كرر ذلك عليه ثلاثا فغضب عبد الله فقال أو لم تنهوا عن النذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث المرفوع قال سعيد فلما رأيت ذلك قلت له انطلق إلى سعيد بن المسيب وسياق الحاكم نحوه وأخصر منه وقد وهم الحاكم في المستدرك فان البخاري أخرجه كما ترى لكن اختصر القصة لكونها موقوفة وهذا الفرع غريب وهو أن ينذر عن غيره فيلزم الغير الوفاء بذلك ثم إذا تعذر لزم الناذر وقد كنت أستشكل ذلك ثم ظهر لي ان الابن أقر بذلك والتزم به ثم لما مات أمره ابن عمر وسعيد أن يفعل ذلك عن ابنه كما يفعل سائر القرب عنه كالصوم والحج والصدقة ويحتمل أن يكون مختصا عندهما بما يقع من الوالد في حق ولده فينعقد لوجوب بر الوالدين على الولد بخلاف الأجنبي وفى قول ابن عمر في هذه الرواية أولم تنهوا عن النذر نظر لان المرفوع الذي ذكره ليس فيه تصريح بالنهي لكن جاء عن ابن عمر التصريح ففي الرواية التي بعدها من طريق عبد الله بن مرة وهو الهمداني بسكون الميم عن ابن عمر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وفي لفظ لمسلم من هذا الوجه أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النذر وجاء بصيغة النهي الصريحة في رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ لا تنذروا ( قوله لا يقدم شيئا ولا يؤخر ) في رواية عبد الله بن مرة لا يرد شيئا وهي أعم ونحوها في حديث أبي هريرة لا يأتي ابن آدم النذر بشئ لم يكن قدر له وفي رواية العلاء المشار إليها فان النذر لا يغني من القدر شيئا وفي لفظ عنه لا يرد القدر وفي حديث أبي هريرة عنده لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له ومعاني هذه الألفاظ المختلفة متقاربة وفيها إشارة إلى تعليل النهي عن النذر وقد اختلف العلماء في هذا النهي فمنهم من حمله على ظاهره ومنهم من تأوله قال ابن الأثير في النهاية تكرر النهي عن النذر في الحديث وهو تأكيد لامره وتحذير عن التهاون به بعد ايجابه ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك ابطال لحكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم وانما وجه الحديث أنه قد أعلمهم ان ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعا ولا يصرف عنهم ضرا ولا يغير قضاء فقال لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم أو تصرفوا به عنكم ما قدره عليكم فإذا نذرتم فأخرجوا بالوفاء فان الذي نذرتموه لازم لكم انتهى كلامه ونسبه بعض شراح المصابيح للخطابي وأصله من كلام أبي عبيد فيما نقله ابن المنذر في كتابه الكبير فقال كان أبو عبيد يقول وجه النهي عن النذر والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثما ولو كان كذلك ما أمر الله أن يوفى به ولا حمد فاعله ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر وتغليظ أمره لئلا يتهاون به فيفرط في الوفاء به ويترك الوفاء به ويترك القيام به ثم استدل بما ورد من الحث على الوفاء به في الكتاب والسنة والى ذلك أشار المازري بقوله ذهب بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ في النذر والحض على الوفاء به قال وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث ان الناذر يأتي بالقربة مستثقلا لها لما صارت عليه ضربة لازب وكل ملزوم فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار ويحتمل أن يكون سببه أن الناذر لما لم ينذر القربة الا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي نقدح