ابن حجر العسقلاني

494

فتح الباري

الذي عليه الجمهور ان من حلف ان لا يشرب النبيذ بعينه لا يحنث بشرب غيره ومن حلف لا يشرب نبيذا لما يخشى من السكر به فإنه يحنث بكل ما يشربه مما يكون فيه المعنى المذكور فان سائر الأشربة من الطبيخ والعصير تسمى نبيذا لمشابهتها له في المعنى فهو كمن حلف لا يشرب شرابا وأطلق فإنه يحنث بكل ما يقع عليه اسم شراب قال ابن بطال ومراد البخاري ببعض الناس أبو حنيفة ومن تبعه فإنهم قالوا إن الطلاء والعصير ليسا بنبيذ لان النبيذ في الحقيقة ما نبذ في الماء ونقع فيه ومنه سمى المنبوذ منبوذا لأنه نبذ أي طرح فأراد البخاري الرد عليهم وتوجيهه من حديثي الباب ان حديث سهل يقتضي تسمية ما قرب عهده بالانتباذ نبيذا وان حل شربه وقد تقدم في الأشربة من حديث عائشة انه صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له ليلا فيشربه غدوة وينبذ له غدوة فيشربه عشية وحديث سودة يؤيد ذلك فإنها ذكرت انهم صاروا ينتبذون في جلد الشاة التي ماتت وما كانوا ينبذون الا ما يحل شربه ومع ذلك كان يطلق عليه اسم نبيذ فالنقيع في حكم النبيذ الذي لم يبلغ حد السكر والعصير من العنب الذي بلغ حد السكر في معنى نبيذ التمر الذي بلغ حد السكر وزعم ابن المنير في الحاشية ان الشارح بمعزل عن مقصود البخاري هنا قال وانما أراد تصويب قول الحنفية ومن ثم قال لم يحنث ولا يضره قوله بعده في قول بعض الناس فإنه لو أراد خلافه لترجم على أنه يحنث وكيف يترجم على وفق مذهب ثم يخالفه انتهى والذي فهمه ابن بطال أوجه وأقرب إلى مراد البخاري والحاصل ان كل شئ يسمى في العرف نبيذا يحنث به الا ان نوى شيئا بعينه فيختص به والطلاء يطلق على المطبوخ من عصير العنب وهذا قد ينعقد فيكون دبسا وربا فلا يسمى نبيذا أصلا وقد يستمر مائعا ويسكر كثيره فيسمى في العرف نبيذا بل نقل ذلك ابن التين عن أهل اللغة ان الطلاء جنس من الشراب وعن ابن فارس انه من أسماء الخمر وكذلك السكر يطلق على العصير قبل أن يتخمر وقيل هو ما أسكر منه ومن غيره ونقل الجوهري ان نبيذ التمر والعصير ما يعصر من العنب فيسمى بذلك ولو تخمر وقد مضى شرح حديث سهل في الوليمة من كتاب النكاح وعلى شيخه هو ابن المديني وأما حديث سودة فهي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية من بني عامر بن لؤي القرشية زوج النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت خديجة وهو بمكة ودخل بها قبل الهجرة ( قوله أخبرنا عبد الله ) هو ابن المبارك ( قوله فدبغنا مسكها ) بفتح الميم وبالمهملة أي جلدها ( قوله حتى صار شنا ) بفتح المعجمة وتشديد النون أي باليا والشنة القربة العتيقة وقد أخرج النسائي من طريق مغيرة بن مقسم عن الشعبي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا في دباغ جلد الشاة الميتة غير هذا وأشار المزي في الأطراف إلى أن ذلك علة لرواية إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي التي في الباب وليس كذلك بل هما حديثان متغايران في السياق وإن كان كل منهما من رواية الشعبي عن ابن عباس ورواية مغيرة هذه توافق لفظ رواية عطاء عن ابن عباس عن ميمونة وهي عند مسلم وأخرجها البخاري من رواية عبيد بن عبد الله عن ابن عباس بغير ذكر ميمونة ولا ذكر الدباغ فيه ومضى الكلام على ذلك مستوفي في أواخر كتاب الأطعمة قال ابن أبي جمرة في حديث سودة الرد على من زعم أن الزهد لا يتم الا بالخروج عن جميع ما يتملك لان موت الشاة يتضمن سبق ملكها واقتنائها وفيه جواز تنمية المال لأنهم أخذوا جلد الميتة فدبغوه فانتفعوا به بعد إن كان مطروحا وفيه جواز تناول