ابن حجر العسقلاني

411

فتح الباري

جمع العلماء بين هذا الاختلاف فقال عياض هذا من اختلاف التقدير لان ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد اضطرابا من الرواة وانما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب في كل منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته بما يسنح له من العبارة ويقرب ذلك للعلم ببعد ما بين البلاد النائية بعضها من بعض لا على إرادة المسافة المحققة قال فبهذا يجمع بين الألفاظ المختلفة من جهة المعنى انتهى ملخصا وفيه نظر من جهة أن ضرب المثل والتقدير انما يكون فيما يتقارب واما هذا الاختلاف المتباعد الذي يزيد تارة على ثلاثين يوما وينقص إلى ثلاثة أيام فلا قال القرطبي ظن بعض القاصرين ان الاختلاف في قدر الحوض اضطراب وليس كذلك ثم نقل كلام عياض وزاد وليس اختلافا بل كلها تفيد أنه كبير متسع متباعد الجوانب ثم قال ولعل ذكره للجهات المختلفة بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهة فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها وأجاب النووي بأنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة وحاصله انه يشير إلى أنه أخبر أولا بالمسافة اليسيرة ثم أعلم بالمسافة الطويلة فأخبر بها كأن الله تفضل عليه باتساعه شيئا بعد شئ فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة وتقدم قول من جمع الاختلاف بتفاوت الطول والعرض ورده بما في حديث عبد الله بن عمر وزواياه سواء ووقع أيضا في حديث النواس بن سمعان وجابر وأبي برزة وأبي ذر طوله وعرضه سواء وجمع غيره بين الاختلافين الأولين باختلاف السير البطئ وهو سير الأثقال والسير السريع وهو سير الراكب المخف وبحمل رواية أقلها وهو الثلاث على سير البريد فقد عهد منهم من قطع مسافة الشهر في ثلاثة أيام ولو كان نادرا جدا وفي هذا الجواب عن المسافة الأخيرة نظر وهو فيما قبله مسلم وهو أولى ما يجمع به وأما مسافة الثلاث فإن الحافظ ضياء الدين المقدسي ذكر في الجزء الذي جمعه في الحوض ان في سياق لفظها غلطا وذلك لاختصار وقع في سياقه من بعض رواته ثم ساقه من حديث أبي هريرة وأخرجه من فوائد عبد الكريم بن الهيثم الدير عاقولي بسند حسن إلى أبي هريرة مرفوعا في ذكر الحوض فقال فيه عرضه مثل ما بينكم وبين جرباء وأذرح قال الضياء فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف تقديره كما بين مقامي وبين جرباء وأذرح فسقط مقامي وبين وقال الحافظ صلاح الدين العلائي بعد ان حكى قول ابن الأثير في النهاية هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام ثم غلطه في ذلك وقال ليس كما قال بل بينهما غلوة سهم وهما معروفتان بين القدس والكرك قال وقد ثبت القدر المحذوف عند الدارقطني وغيره بلفظ ما بين المدينة وجرباء وأذرح ( قلت ) وهذا يوافق رواية أبي سعيد عند ابن ماجة كما بين الكعبة وبيت المقدس وقد وقع ذكر جرباء وأذرح في حديث آخر عند مسلم وفيه وافى أهل جرباء وأذرح بحرسهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره في غزوة تبوك وهو يؤيد قول العلائي انهما متقاربتان وإذا تقرر ذلك رجع جميع المختلف إلى أنه لاختلاف السير البطئ والسير السريع وسأحكي كلام ابن التين في تقدير المسافة بين جرباء وأذرح في شرح الحديث السادس عشر والله أعلم ( قوله ماؤه أبيض من اللبن ) قال المازري مقتضى كلام النحاة أن يقال أشد بياضا ولا يقال أبيض من كذا ومنهم من أجازه في الشعر ومنهم من أجازه بقلة ويشهد له هذا الحديث وغيره ( قلت ) ويحتمل أن يكون