ابن حجر العسقلاني
404
فتح الباري
الشخص بمالا تدرك حقيقته وجواز التعبير عن ذلك بما يفهمه وان الأمور التي في الآخرة لا تشبه بما في الدنيا الا في الأسماء والأصل مع المبالغة في تفاوت الصفة والاستدلال على العلم الضروري بالنظري وان الكلام إذا كان محتملا لامرين يأتي المتكلم بشئ يتخصص به مراده عند السامع وان التكليف لا ينقطع الا بالاستقرار في الجنة أو النار وان امتثال الامر في الموقف يقع بالاضطرار وفيه فضيلة الايمان لأنه لما تلبس به المنافق ظاهرا بقيت عليه حرمته إلى أن وقع التمييز باطفاء النور وغير ذلك وان الصراط مع دقته وحدته يسع جميع المخلوقين منذ آدم إلى قيام الساعة وفيه ان النار مع عظمها وشدتها لا تتجاوز الحد الذي أمرت باحراقه والآدمي مع حقارة جرمه يقدم على المخالفة ففيه معنى شديد من التوبيخ وهو كقوله تعالى في وصف الملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وفيه إشارة إلى توبيخ الطغاة والعصاة وفيه فضل الدعاء وقوة الرجاء في إجابة الدعوة ولو لم يكن الداعي أهلا لذلك في ظاهر الحكم لكن فضل الكريم واسع وفي قوله في آخره في بعض طرقه ما أغدرك إشارة إلى أن الشخص لا يوصف بالفعل الذميم الا بعد أن يتكرر ذلك منه وفيه إطلاق اليوم على جزء منه لان يوم القيامة في الأصل يوم واحد وقد اطلق اسم اليوم على كثير من أجزائه وفيه جواز سؤال الشفاعة خلافا لمن منع محتجا بأنها لا تكون الا لمذنب قال عياض وفات هذا القائل انها قد تقع في دخول الجنة بغير حساب وغير ذلك كما تقدم بيانه مع أن كل عاقل معترف بالتقصير فيحتاج إلى طلب العفو عن تقصيره وكذا كل عامل يخشى أن لا يقبل عمله فيحتاج إلى الشفاعة في قبوله قال ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة ولا بالرحمة وهو خلاف ما درج عليه السلف في أدعيتهم وفي الحديث أيضا تكليف مالا يطاق لان المنافقين يؤمرون بالسجود وقد منعوا منه كذا قيل وفيه نظر لان الامر حينئذ للتعجيز والتبكيت وفيه اثبات رؤية الله تعالى في الآخرة قال الطيبي وقول من أثبت الرؤية ووكل علم حقيقتها إلى الله فهو الحق وكذا قول من فسر الاتيان بالتجلي هو الحق لان ذلك قد تقدمه قوله هل تضارون في رؤية الشمس والقمر وزيد في تقرير ذلك وتأكيده وكل ذلك يدفع المجاز عنه والله أعلم واستدل به بعض السالمية ونحوهم على أن المنافقين وبعض أهل الكتاب يرون الله مع المؤمنين وهو غلط لان في سياق حديث أبي سعيد ان المؤمنين يرونه سبحانه وتعالى بعد رفع رؤسهم من السجود وحينئذ يقولون أنت ربنا ولا يقع ذلك للمنافقين ومن ذكر معهم وأما الرؤية التي اشترك فيها الجميع قبل فقد تقدم أنه صورة الملك وغيره ( قلت ) ولا مدخل أيضا لبعض أهل الكتاب في ذلك لان في بقية الحديث أنهم يخرجون من المؤمنين ومن معهم ممن يظهر الايمان ويقال لهم ما كنتم تعبدون وانهم يتساقطون في النار وكل ذلك قبل الامر بالسجود وفيه أن جماعة من مذنبي هذه الأمة يعذبون بالنار ثم يخرجون بالشفاعة والرحمة خلافا لمن نفى ذلك عن هذه الأمة وتأول ما ورد بضروب متكلفة والنصوص الصريحة متضافرة متظاهرة بثبوت ذلك وان تعذيب الموحدين بخلاف تعذيب الكفار لاختلاف مراتبهم من أخذ النار بعضهم إلى ساقه وانها لا تأكل أثر السجود وانهم يموتون فيكون عذابهم احراقهم وحبسهم عن دخول الجنة سريعا كالمسجونين بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلا ليذوقوا العذاب ولا يحيون حياة يستريحون بها على أن بعض أهل العلم أول ما وقع في حديث أبي سعيد من قوله