ابن حجر العسقلاني
283
فتح الباري
وأجاب بعض الشراح بأن بعض الأئمة عد المباح من الحسن وتعقب بأن الكلام فيما يترتب على فعله حسنة وليس المباح ولو سمى حسنا كذلك نعم قد يكتب حسنة بالنية وليس البحث فيه وقد تقدم في باب حفظ اللسان قريبا شئ من ذلك وفيه ان الله سبحانه وتعالى بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة والفضل في الحسنة فضاعف الحسنة ولم يضاعف السيئة بل أضاف فيها إلى العدل الفضل فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله كتبت له واحدة أو يمحوها وبقوله فجزاؤه بمثلها أو أغفر وفي هذا الحديث رد على الكعبي في زعمه أن ليس في الشرع مباح بل الفاعل اما عاص واما مثاب فمن اشتغل عن المعصية بشئ فهو مثاب وتعقبوه بما تقدم ان الذي يثاب على ترك المعصية هو الذي يقصد بتركها رضا الله كما تقدمت الإشارة إليه وحكى ابن التين انه يلزمه أن الزاني مثلا مثاب لاشتغاله بالزنا عن معصية أخرى ولا يخفى ما فيه ( قوله باب ما يتقى من محقرات الذنوب ) التعبير بالمحقرات وقع في حديث سهل بن سعد رفعه إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم وان محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه أخرجه أحمد بسند حسن ونحوه عند أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود وعند النسائي وابن ماجة عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا وصححه ابن حبان ( قوله مهدي ) هو ابن ميمون وغيلان بمعجمة ثم تحتانية وزن عجلان هو ابن جامع ( 1 ) والسند كله بصريون ( قوله هي أدق ) أفعل تفضيل من الدقة بكسر الدال إشارة إلى تحقيرها وتهوينها وتستعمل في تدقيق النظر في العمل والامعان فيه أي تعملون أعمالا تحسبونها هينة وهي عظيمة أو تؤل إلى العطم ( قوله إن كنا لنعدها ) كذا للأكثر بلام التأكيد وفي رواية أبي ذر عن السرخسي والمستملي بحذفها وبحذف الضمير أيضا ولفظهما ان كنا نعد وله عن الكشميهني ان كنا نعدها وان مخففة من الثقيلة وهي للتأكيد ( قوله من الموبقات ) بموحدة وقاف وسقط لفظ من للسرخسي والمستملي أيضا ( قوله قال أبو عبد الله ) هو المصنف ( يعني بذلك المهلكات ) أي الموبقة هي المهلكة ووقع للإسماعيلي من طريق إبراهيم بن الحجاج عن مهدي كنا نعدها ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر وكأنه ذكره بالمعنى وقال ابن بطال المحقرات إذا كثرت صارت كبارا مع الاصرار وقد أخرج أسد بن موسى في الزهد عن أبي أيوب الأنصاري قال إن الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها وينسى المحقرات فيلقى الله وقد أحاطت به وان الرجل ليعمل السيئة فلا يزال منها مشفقا حتى يلقى الله آمنا ( قوله باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها ) ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة الذي قتل نفسه وفي آخره وانما الأعمال بالخواتيم وتقدم شرح القصة في غزوة خيبر من كتاب المغازي ويأتي شرح آخره في كتاب القدر إن شاء الله تعالى وقوله غناء بفتح المعجمة بعدها نون ممدود أي كفاية وأغنى فلان عن فلان ناب عنه وجرى مجراه وذبابة السيف حده وطرفه قال ابن بطال في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف لأنه لو علم وكان ناجيا أعجب وكسل وإن كان هالكا ازداد عتوا فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء وقد روى الطبري عن حفص بن حميد قال قلت لابن المبارك رأيت رجلا قتل رجلا ظلما فقلت في نفسي أنا أفضل من هذا فقال أمنك على نفسك