ابن حجر العسقلاني

148

فتح الباري

انتهى وهذا مبني على قول من قال إنه كان يجتهد في الاحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده وأما من قال كان لا يحكم الا بالوحي فلا يتأتى منه هذا الجواب ثم قال المازري فان قيل فما معنى قوله وأغضب كما يغضب البشر فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب لا انها على مقتضى الشرع فيعود السؤال فالجواب انه يحتمل انه أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خير بين فعله له عقوبة للجاني أو تركه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى بعثه على لعنه أو جلده ولا يكون ذلك خارجا عن شرعه قال ويحتمل أن يكون ذلك خرج مخرج الاشفاق وتعليم أمته الخوف من تعدي حدود الله فكأنه أظهر الاشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما وقعت أو اشفاقا من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما زادت ويكون من الصغائر على قول من يجوزها أو يكون الزجر يحصل بدونها ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلبا للاستجابة وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير فقال يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي لكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم عقري حلقي وتربت يمينك فاشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة انتهى وهذا الاحتمال حسن الا أنه يرد عليه قوله جلدته فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه إذ لا يقع الجلد عن غير قصد وقد ساق الجميع مساقا واحدا الا ان حمل على الجلدة الواحدة فيتجه ثم أبدى القاضي احتمالا آخر فقال كان لا يقول ولا يفعل صلى الله عليه وسلم في حال غضبه الا الحق لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه وترك الاغضاء والصفح ويؤيده حديث عائشة ما انتقم لنفسه قط الا أن تنتهك حرمات الله وهو في الصحيح ( قلت ) فعلى هذا فمعنى قوله ليس لها بأهل أي من جهة تعين التعجيل وفي الحديث كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته حيث قصد مقابلة ما وقع منه بالجبر والتكريم وهذا كله في حق المعين في زمنه واضح وأما ما وقع منه بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه صلى الله عليه وسلم فما أظنه يشمله والله أعلم ( قوله باب التعوذ من الفتن ) ستأتي هذه الترجمة وحديثها في كتاب الفتن وتقدم شئ من شرحه يتعلق بسبب نزول الآية المذكورة في آخر الحديث في تفسير سورة المائدة وقوله أحفوه بحاء مهملة ساكنة وفاء مفتوحة أي ألحوا عليه يقال أحفيته إذا حملته على أن يبحث عن الخبر وقوله لا بالرفع ويجوز النصب على الحال وقوله إذا لاحى بمهملة خفيفة أي خاصم وفي الحديث ان غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع من حكمه فإنه لا يقول الا الحق في الغضب والرضا وفيه فهم عمر وفضل علمه ( قوله باب التعوذ من غلبة الرجال ) ذكر فيه حديث أنس في قصة خيبر وذكر صفية بنت حي وتقدم شرح ذلك في المغازي وغيرها وسيأتي منه التعوذ مفردا بعد أبواب ( قوله فكنت أسمعه يكثر أن يقول ) استدل به على أن هذه الصيغة لا تدل على الدوام ولا الاكثار والا لما كان لقوله يكثر فائدة وتعقب بأن المراد بالدوام أعم من الفعل والقوة ويظهر لي ان الحاصل انه لم يعرف لذلك مزيلا ويفيد قوله يكثر وقوع ذلك من فعله كثيرا ( قوله من الهم