ابن حجر العسقلاني

468

فتح الباري

صلى الله عليه وسلم وأخرجه مسلم عن ابن أبي عمر وعمرو الناقد قالا حدثنا سفيان بهذا السند قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا كرم فإن الكرم قلب المؤمن وقوله ويقولون الكرم هو مبتدأ وخبره محذوف أي يقولون الكرم شجر العنب وقد أخرج الطبراني والبزار من حديث سمرة رفعه أن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم من أجل ما أكرمه الله على الخليقة وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم الحديث قال الخطابي ما ملخصه ان المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها ولان في تبقية هذا الاسم لها تقريرا لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها فنهى عن تسميتها كرما وقال إنما الكرم قلب المؤمن لما فيه من نور الايمان وهدى الاسلام وحكى ابن بطال عن ابن الأنباري أنهم سموا العنب كرما لان الخمر المتخذة منه تحث على السخاء وتأمر بمكارم الأخلاق حتى قال شاعرهم * والخمر مشتقة المعنى من الكرم * وقال آخر شققت من الصبي واشتق مني * كما اشتقت من الكرم الكروم فلذلك نهى عن تسمية العنب بالكرم حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم وجعل المؤمن الذي يتقي شربها ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم انتهى وأما قول الأزهري سمي العنب كرما لأنه ذلل لقاطفه وليس فيه سلاء يعقر جانيه ويحمل الأصل منه مثل ما تحمل النخلة فأكثر وكل شئ كثر فقد كرم فهو صحيح أيضا من حيث الاشتقاق لكن المعنى الأول أنسب للنهي وقال النووي النهي في هذا الحديث عن تسمية العنب كرما وعن تسمية شجرها أيضا للكراهية وحكى القرطبي عن المازري أن السبب في النهي أنه لما حرمت عليهم الخمر وكانت طباعهم تحثهم على الكرم كره صلى الله عليه وسلم أن يسمى هذا المحرم باسم تهيج طباعهم إليه عند ذكره فيكون ذلك كالمحرك لهم وتعقبه بأن محل النهي إنما هو تسمية العنب كرما وليست العنبة محرمة والخمر لا تسمى عنبة بل العنب قد يسمى خمرا باسم ما يؤل إليه ( قلت ) والذي قاله المازري موجه لأنه يحمل على إرادة حسم المادة بترك تسمية أصل الخمر بهذا الاسم الحسن ولذلك ورد النهي تارة عن العنب وتارة عن شجرة العنب فيكون التنفير بطريق الفحوى لأنه إذا نهى عن تسمية ما هو حلال في الحال بالاسم الحسن لما يحصل منه بالقوة مما ينهي عنه فلان ينهى عن تسمية ما ينهى عنه بالاسم الحسن أحرى وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه لما كان اشتقاق الكرم من الكرم والأرض الكريمة هي أحسن الأرض فلا يليق أن يعبر بهذه الصفة إلا عن قلب المؤمن الذي هو خير الأشياء لان المؤمن خير الحيوان وخير ما فيه قلبه لأنه إذا صلح صلح الجسد كله وهو أرض لنبات شجرة الايمان قال ويؤخذ منه ان كل خير باللفظ أو المعنى أو بهما أو مشتقا منه أو مسمى به انما يضاف بالحقيقة الشرعية لان الايمان وأهله وان أضيف إلى ما عدا ذلك فهو بطريق المجاز وفى تشبيه الكرم بقلب المؤمن معنى لطيف لان أوصاف الشيطان تجرى مع الكرمة كما يجرى الشيطان في بني آدم مجرى الدم فإذا غفل المؤمن عن شيطانه أوقعه في المخالفة كما أن من غفل عن عصير كرمه تخمر فتنجس ويقوى التشبه أيضا ان الخمر يعود خلا من ساعته بنفسه أو بالتخليل فيعود طاهرا وكذا المؤمن يعود من ساعته بالتوبة النصوح طاهرا من خبث الذنوب المتقدمة التي كان متنجسا باتصافه بها إما بباعث من غيره من موعظة ونحوها وهو كالتخليل أو بباعث من نفسه وهو كالتخلل فينبغي للعاقل أن يتعرض لمعالجة قلبه لئلا يهلك وهو