ابن حجر العسقلاني
294
فتح الباري
تعارض فإن القص يدل على أخذ البعض والإحفاء يدل على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء وقال ابن عبد البر الاحفاء محتمل لاخذ الكل والقص مفسر للمراد والمفسر مقدم على المجمل اه ويرجح قول الطبري ثبوت الامرين معا في الأحاديث المرفوعة فأما الاقتصار على القص ففي حديث المغيرة بن شعبة ضفت النبي صلى الله عليه وسلم وكان شاربي وفي فقصه على سواك أخرجه أبو داود واختلف في المراد بقوله على سواك فالراجح أنه وضع سواكا عند الشفة تحت الشعر وأخذ الشعر بالمقص وقيل المعنى قصه على أثر سواك أي بعد ما تسوك ويؤيد الأول ما أخرجه البيهقي في هذا الحديث قال فيه فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه وأخرج البزار من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا وشاربه طويل فقال ائتوني بمقص وسواك فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس وحسنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص شاربه وأخرج البيهقي والطبراني من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني قال رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصون شواربهم أبو أمامة الباهلي والمقدام بن معدي كرب الكندي وعتبة بن عوف السلمي والحجاج بن عامر الثمالي وعبد الله بن بسر وأما الاحفاء ففي رواية ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس فقال إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم قال فكان ابن عمر يستقرض سبلته فيجزها كما يجز الشاة أو البعير أخرجه الطبري والبيهقي وأخرجا من طريق عبد الله بن أبي رافع قال رأيت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وابن عمر ورافع بن خديج وأبا أسيد الأنصاري وسلمة بن الأكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق لفظ الطبري وفي رواية البيهقي يقصون شواربهم مع طرف الشفة وأخرج الطبري من طرق عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم وقد تقدم في أول الباب أثر ابن عمر أنه كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد لكن كل ذلك محتمل لان يراد استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا ومحتمل لان يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها ولا يستوعب بقيتها نظرا إلى المعنى في مشروعية ذلك وهو مخالفة المجوس والامن من التشويش على الآكل وبقاء زهومة المأكول فيه وكل ذلك يحصل بما ذكرنا وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك وبذلك جزم الداودي في شرح أثر ابن عمر المذكور وهو مقتضى تصرف البخاري لأنه أورد أثر ابن عمر وأورد بعده حديثه وحديث أبي هريرة في قص الشارب فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث وعن الشعبي أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العلياء وما قاربه من أعلاه ويأخذ ما يزيد ( 1 ) مما فوق ذلك وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم ولا يزيد على ذلك وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار وقد أبدى ابن العربي لتخفيف شعر الشارب معنى لطيفا فقال إن الماء النازل من الانف يتلبد به الشعر لما فيه من اللزوجة ويعسر تنقيته عند غسله وهو بإزاء حاسة شريفة وهي الشم فشرع تخفيفه ليتم الجمال والمنفعة به ( قلت ) وذلك يحصل بتخفيفه ولا يستلزم احفافه وأن كان أبلغ وقد رجح الطحاوي الحلق على القص بتفضيله صلى الله عليه وسلم الحلق على التقصير في النسك ووهى ابن التين الحلق بقوله صلى الله عليه وسلم ليس منا من حلق وكلاهما احتجاج بالخبر في غير ما ورد فيه ولا سيما الثاني ويؤخذ مما أشار إليه ابن العربي مشروعية تنظيف داخل الانف وأخذ