ابن حجر العسقلاني
285
فتح الباري
العدد كما أشرت إليه والله أعلم ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع منها تحسين الهيئة وتنظيف البدن جملة وتفصيلا والاحتياط للطهارتين والاحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان وامتثال أمر الشارع والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى وصوركم فأحسن صوركم لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها أو حافظوا على ما يستمر به حسنها وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب لان الانسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه فيقبل قوله ويحمد رأيه والعكس بالعكس وأما شرح الفطرة فقال الخطابي ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا السنة وكذا قاله غيره قالوا والمعنى أنها من سنن الأنبياء وقالت طائفة المعنى بالفطرة الدين وبه جزم أبو نعيم في المستخرج وقال النووي في شرح المهذب جزم الماوردي والشيخ أبو إسحق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث الدين واستشكل ابن الصلاح ما ذكره الخطابي وقال معنى الفطرة بعيد من معنى السنة لكن لعل المراد أنه على حذف مضاف أي سنة الفطرة وتعقبه النووي بأن الذي نقله الخطابي هو الصواب فإن في صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من السنة قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار قال وأصح ما فسر الحديث بما جاء في رواية أخرى لا سيما في البخاري اه وقد تبعه شيخنا ابن الملقن على هذا ولم أر الذي قاله في شئ من نسخ البخاري بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ الفطرة وكذا من حديث أبي هريرة نعم وقع التعبير بالسنة موضع الفطرة في حديث عائشة عند أبي عوانة في رواية وفي أخرى بلفظ الفطرة كما في رواية مسلم والنسائي وغيرهما وقال الراغب أصل الفطر بفتح الفاء الشق طولا ويطلق على الوهي وعلى الاختراع وعلى الايجاد والفطرة الايجاد على غير مثال وقال أبو شامة أصل الفطرة الخلقة المبتدأة ومنه فاطر السماوات والأرض أي المبتدئ خلقهن وقوله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه وفيه إشارة إلى قوله تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها والمعنى أن كل أحد لو ترك من وقت ولادته وما يؤديه إليه نظره لأداه إلى الدين الحق وهو التوحيد ويؤيده قوله تعالى قبلها فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله واليه يشير في بقية الحديث حيث عقبة بقوله فأبواه يهودانه وينصرانه والمراد بالفطرة في حديث الباب أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة اه وقد رد القاضي البيضاوي الفطرة في حديث الباب إلى مجموع ما ورد في معناها وهو الاختراع والجبلة والدين والسنة فقال هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليها انتهى وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله خمس من الفطرة أن قوله خمس صفة موصوف محذوف والتقدير خصال خمس ثم فسرها أو على الإضافة أي خمس خصال ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف والتقدير الذي شرع لكم خمس من الفطرة والتعبير في بعض روايات الحديث بالسنة بدل الفطرة يراد بها الطريقة لا التي تقابل الواجب وقد جزم بذلك الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما وقالوا هو كالحديث الآخر