ابن حجر العسقلاني
254
فتح الباري
في حديثه إنما يلبس هذه من لا خلاق له والتي في قصة علي لم تكن حريرا صرفا لما روى ابن أبي شيبة من طريق أبي فاختة عن هبيرة بن يريم عن علي قال أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة مسيرة بحرير إما سداها أو لحمتها فأرسل بها إلي فقلت ما أصنع بها ألبسها قال لا أرضى لك إلا ما أرضى لنفسي ولكن اجعلها خمرا بين الفواطم وقد أخرجه أحمد وابن ماجة من طريق ابن إسحاق عن هبيرة فقال فيه حلة من حرير وهو محمول على رواية أبي فاختة وهو بفاء ومعجمة ثم مثناة اسمه سعيد بن علاقة بكسر المهملة وتخفيف اللام ثم قاف ثقة ولم يقع في قصة علي وعيد على لبسها كما وقع في قصة عمر بل فيه لا أرضى لك إلا ما أرضى لنفسي ولا ريب أن ترك لبس ما خالطه الحرير أولى من لبسه عند من يقول بجوازه والله أعلم * الحديث الثالث حديث أنس أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم برد حرير سيراء هكذا وقع في رواية شعيب عن الزهري ووافقه الزبيدي كما تقدمت الإشارة إليه في باب مس الحرير من غير لبس وأخرجه النسائي من رواية ابن جريج عن الزهري كالأول ومن طريق معمر عن الزهري نحوه لكن قال زينب بدل أم كلثوم والمحفوظ ما قال الأكثر وقد غفل الطحاوي فقال أن كان أنس رأى ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيعارض حديث عقبة يعني الذي أخرجه النسائي وصححه ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمنع أهله الحرير والحلة وإن كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم كان دليلا على نسخ حديث عقبة كذا قال وخفي عليه أن أم كلثوم ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك زينب فبطل التردد وأما دعوى المعارضة فمردودة وكذا النسخ والجمع بينهما واضح يحمل النهي في حديث عقبة على التنزيه وإقرار أم كلثوم على ذلك أما لبيان الجواز وإما لكونها كانت إذ ذاك صغيرة وعلى هذا التقدير فلا إشكال في رواية أنس لها وعلى تقدير أن تكون كانت كبيرة فيحمل على أن ذلك كان قبل الحجاب أو بعده لكن لا يلزم من رؤية الثوب على اللابس رؤية اللابس فلعله رأى ذيل القميص مثلا ويحتمل أيضا أن السيراء التي كانت على أم كلثوم كانت من غير الحرير الصرف كما تقدم في حلة علي والله أعلم واستدل بأحاديث الباب على جواز لبس الحرير للنساء سواء كان الثوب حريرا كله أو بعضه وفي الأول عرض المفضول على الفاضل والتابع على المتبوع ما يحتاج إليه من مصالحه ممن يظن أنه لم يطلع عليه وفيه إباحة الطعن لمن يستحقه وفيه جواز البيع والشراء على باب المسجد وفيه مباشرة الصالحين والفضلاء البيع والشراء وقال ابن بطال فيه ترك النبي صلى الله عليه وسلم لباس الحرير وهذا في الدنيا وإرادة تأخير الطيبات إلى الآخرة التي لا انقضاء لها إذ تعجيل الطيبات في الدنيا ليس من الحزم فزهد في الدنيا للآخرة وأمر بذلك ونهى عن كل سرف وحرمه وتعقبه ابن المنير بان تركه صلى الله عليه وسلم لبس الحرير إنما هو لاجتناب المعصية وأما الزهد فإنما هو في خالص الحلال ومالا عقوبة فيه فالتقلل منه وتركه مع الامكان هو الذي تتفاضل فيه درجات الزهاد ( قلت ) ولعل مراد ابن بطال بيان سبب التحريم فيستقيم ما قاله وفيه جواز بيع الرجال الثياب الحرير وتصرفهم فيها بالهبة والهدية لا اللبس وفيه جواز صلة القريب الكافر والاحسان إليه بالهدية وقال ابن عبد البر فيه جواز الهدية للكافر ولو كان حربيا وتعقب بأن عطاردا إنما وفد سنة تسع ولم يبق بمكة بعد الفتح مشرك وأجيب بأنه لا يلزم من كون وفادة عطارد سنة تسع أن تكون قصة الحلة كانت حينئذ بل جاز أن تكون قبل