ابن حجر العسقلاني

166

فتح الباري

يشتمل على هذا المعنى وقد أخرج الترمذي وحسنه والنسائي من حديث أبي سعيد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الانسان حتى نزلت المعوذات فأخذ بها وترك ما سواها وهذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين بل يدل على الأولوية ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى واختلفوا في كونها شرطا والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك فقال اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك وله من حديث جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب قال فعرضوا عليه فقال ما أرى بأسا من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجزؤوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها لكن دل حديث عوف أنها مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك يمنع وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطا والشرط الآخر لا بد منه وقال قوم لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة كما تقدم في باب من اكتوى من حديث عمران بن حصين لا رقية الا من عين أو حمة وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مس ونحو ذلك لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران وزاد أو دم وفي مسلم من طريق يوسف بن عبد الله بن الحرث عن أنس قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقي من العين والحمة والنملة وفي حديث آخر والاذن ولأبي داود من حديث الشفاء بنت عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ألا تعلمين هذه يعني حفصة رقية النملة والنملة قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد وقيل المراد بالحصر معنى الأفضل أي لا رقية أنفع كما قيل لا سيف إلا ذو الفقار وقال قوم المنهي عنه من الرقي ما يكون قبل وقوع البلاء والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما وفيه نظر وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى فأخرج أبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم من طريق ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عنها عن ابن مسعود رفعه أن الرقي والتمائم والتولة شرك وفي الحديث قصة والتمائم جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات والتولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شئ كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه كما سيأتي قريبا في باب المرأة ترقى الرجل من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه ينفث المعوذات ويمسح بهما وجهه الحديث ومضى في أحاديث الأنبياء حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة