هبة الله بن علي الحسني العلوي
257
أمالي ابن الشجري
فإن قيل : إن « دارا » اسم غير وصف ، فكيف انتصب على الحال ، ومن شرائط الحال الاشتقاق ، لأنها صفة معنويّة ، ومن شرط الصفة أن تكون مشتقّة . فالجواب : أنهم قد استعملوا أسماء لست بأوصاف أحوالا ، فمن ذلك في التنزيل قوله تعالى : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً « 1 » وقولهم : « هذا بسرا أطيب منه رطبا « 2 » » وقولهم : « العجب من برّ مررنا به قبل قفيزا بدرهم « 3 » » قال أبو علىّ : وهذا من طريق القياس بيّن أيضا ، لأن الحال إنما هي زيادة في الخبر ، فكما أن الخبر يكون تارة اسما وتارة وصفا ، فكذلك الزيادة عليه . وأقول : إن هذه الأسماء التي استعملوها أحوالا ، لا بدّ لها من تأويل يدخلها في حيّز المشتق ، كما قالوا : « مررت بقاع عرفج كلّه « 4 » » ، لأنهم ذهبوا به مذهب خشن كلّه ، وقوله تعالى حاكيا عن صالح عليه السلام : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أراد علامة دالّة على أنى نبىّ ، وقولهم : « هذا بسرا أطيب منه رطبا » تقديره : هذا إذا كان صلبا أطيب منه إذا كان ليّنا ، وقولهم : « العجب من برّ مررنا به قبل قفيزا بدرهم » أي مقدّرا ثمانية مكاكيك بدرهم ، وكذلك نصب « دارا » على الحال ، لأنه ذهب بها مذهب المسكن والمنزل .
--> ( 1 ) سورة الأعراف 73 ، وهود 64 ، وأجاز أبو البركات الأنباري في نصب « آية » وجها ثانيا ، قال : « والثاني أن يكون منصوبا على التمييز ، أي هذه ناقة اللّه لكم من جملة الآيات » . البيان 2 / 19 . ( 2 ) الكتاب 1 / 400 ، والأصول 1 / 220 ، 2 / 359 ، وشرح المفصل 2 / 60 . ( 3 ) الكتاب 1 / 396 ، والمقتضب 3 / 258 . ( 4 ) ضبطت لام « كلّه » في الأصل بالفتح ؛ كأنه توهّمه حالا لمجيئه في سياق الكلام على الأحوال ، والصواب الرفع ، ذكر ابن جنى في ( باب في الاستخلاص من الأعلام معاني الأوصاف ) من الخصائص 3 / 272 « مررت برجل صوف تكّته ، أي خشنة ، ونظرت إلى رجل خزّ قميصه ، أي ناعم ، ومررت بقاع عرفج كلّه ، أي جاف وخشن . وإن جعلت ( كله ) توكيدا لما في ( عرفج ) من الضمير ، فالحال واحدة ، لأنه لم يتضمن الضمير إلّا لما فيه من معنى الصفة » . وانظر الإيضاح 1 / 38 ، والكتاب 2 / 24 ، 27 ، والخصائص أيضا 1 / 122 ، وشرح الكافية الشافية ص 341 والتنظير هنا لتأويل الجامد بالمشتق .