هبة الله بن علي الحسني العلوي

203

أمالي ابن الشجري

أوجه : أحدها ما قاله سيبويه ، وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة وليست ضميرا ، والثاني : أن تكون البراغيث مبتدأ ، وأكلوني خبرا مقدّما ، فالتقدير : البراغيث أكلوني ، والثالث : أن تكون الواو ضميرا على شرط التفسير ، والبراغيث بدلا منه ، كقولك : ضربونى وضربت قومك ، فتضمر قبل الذّكر على شرط التفسير ، قال : وقد كان الوجه على تقديم « 1 » علامة الجماعة أن يقال : أكلتنى البراغيث ، لأن ضمير ما لا يعقل من الذّكور كضمير الإناث ، إلا أنهم جعلوا البراغيث مشبّهة بما يعقل حين وصفوها بالأكل ، وهي « 2 » مما يوصف بالقرص كالبقّ وشبهه ، فأجروها مجرى العقلاء ، ولهذا نظائر ، منها قوله تعالى : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ « 3 » لمّا وصفها بالسّجود الذي لا يكون إلا للعقلاء ، أجراها في الإضمار والجمع مجراهم ، وكذلك القول في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ « 4 » لمّا وجّه الخطاب إلى النمل ، والخطاب لا يوجّه في الحقيقة إلا إلى العقلاء أجريت في الإضمار مجرى العقلاء . انتهى كلام أبي سعيد . وأقول : إنّ حمل الأكل على السّجود والخطاب ، في الاختصاص بالعقلاء ، سهو منه ، لأن البهائم مشاركة للعقلاء في الوصف بالأكل ، والقول عندي / أننا لا نحمل قولهم : أكلوني البراغيث ، على الأكل الحقيقىّ ، بل نحمله « 5 » على معنى العدوان والظّلم والبغى ، كقولهم : أكل فلان جاره : أي ظلمه وتعدّى عليه ، وعلى ذلك قول علّفة بن عقيل بن علّفة المرّىّ لأبيه :

--> ( 1 ) جاء بهامش الأصل في المجلس المذكور : « لعله : تقدير » . ( 2 ) في ه : وهو . ( 3 ) الآية الرابعة من سورة يوسف . ( 4 ) سورة النمل 18 . ( 5 ) حكاه ابن هشام في المغنى ص 405 عن ابن الشجري .