هبة الله بن علي الحسني العلوي

182

أمالي ابن الشجري

ما يجرى على أحدهما « 1 » ، ألا ترى أن كلّ واحدة من العينين لا تكاد تنفرد بالرؤية دون الأخرى ، فاشتراكهما في النظر كاشتراك الأذنين في السّمع ، والقدمين في السّعى ، ويجوز أن يعبّر عنهما بواحدة ، يقال : رأيته بعيني ، وسمعته بأذني ، وما سعت في ذاك قدمي ، كما قال : خدلّج السّاقين خفّاق القدم « 2 » فإن قلت : بعينىّ وبأذنىّ وقدمىّ ، فثنّيت فهو حقّ الكلام ، والأول أخفّ وأكثر استعمالا . ولك في هذا الباب « 3 » أربعة أوجه من الاستعمال ، أحدها : أن تستعمل الحقيقة في الخبر والمخبر عنه ، وذلك قولك : عيناي رأتاه ، وأذناي سمعتاه ، وقدماي سعتا فيه ، والثاني : أن تعبّر عن العضوين بواحد ، وتفرد الخبر حملا على اللفظ ، تقول : عيني رأته ، وأذني سمعته ، وقدمي سعت فيه ، وإنما استعملوا الإفراد في هذا تخفيفا ، وللعلم بما يريدون ، فاللفظ على الإفراد ، والمعنى على التثنية . فلو قيل على هذا : « وعيني في روض من الحسن ترتع » كان جيّدا . والثالث : أن تثنّى العضو ، وتفرد الخبر ، لأن حكم العينين أو الأذنين أو القدمين حكم واحدة ، لاشتراكهما في الفعل ، فتقول : أذناي سمعته ، وعيناي رأته ، وقدماي سعت فيه ، كما قال : وعيناي في روض من الحسن ترتع ، ومنه قول سلمىّ ابن ربيعة السّيدىّ :

--> ( 1 ) يقول أبو علي المرزوقي : متى اجتمع شيئان في أمر لا يفترقان فيه اجتزئ بذكر أحدهما عن الآخر . شرح الحماسة ص 547 . ( 2 ) من رجز لرشيد بن رميض العنبري ، وينسب لغيره . الأغانى 15 / 254 ، واللسان ( حطم ) . وإنشاد الحجاج لهذا الرجز ذائع الصّيت ، دائر في كتب اللغة والأدب والتاريخ . انظر البيان والتبيين 2 / 308 ، والكامل ص 499 ، والعقد الفريد 4 / 120 ، 5 / 17 ، ومعجم الشواهد ص 528 . ( 3 ) في ه : « البيت » وما في الأصل مثله في الخزانة ، وديوان المتنبي ، الموضع السابق ، وذكر شارحه هذه الأوجه الأربعة ، ولم يعزها إلى ابن الشجري .