هبة الله بن علي الحسني العلوي
المقدمة 4
أمالي ابن الشجري
وقد قدّمت لهذا التحقيق بدراسة أدرتها على ثلاثة أبواب : تحدثت في الباب الأول عن حياة ابن الشجرىّ وتقلّبه في العالمين . ولم أسرف في الحديث عن التحولات السياسيّة والاجتماعية التي طرأت على المجتمع البغدادىّ في العصر الذي عاش فيه ابن الشجرىّ - وهو عصر السّلاجقة - إذ كان ذلك ممّا يلتمس من مظانّه من كتب التاريخ . ثم إنّى لم أحاول أيضا أن أتصيّد مظاهر علوّ لهذا العصر الذي عاشه ابن الشجرىّ ، ذلك أن كثيرا من الدراسين يخطئون حين يسرفون في تقسيم عصور الفكر العربي إلى عصور علوّ وعصور انحطاط . وإن المتتبّع لحركة الفكر العربي في عصوره المختلفة يروعه هذا الحشد الهائل من العلماء وطلاب المعرفة ، فلم يكد ينتصف القرن الثاني الهجري ، وأظلّ عصر التدوين والتسجيل حتى اندفع العلماء في التنصيف والجمع ، وعمرت حلقات الدّرس بالطلاب ، وزخرت المكتبات بالمصنّفات في شتّى فروع الثقافة . وقد شمل هذا النشاط العالم الإسلامىّ كلّه ، مشرقه ومغربه ، ولم يفضل عصر أو مصر سواهما إلّا ما يكون من بعض الفروق الهيّنة التي تفرضها طبائع الزمان والمكان ، أمّا حركة العقل العربىّ من حيث هي فلم تخمد جذوتها ، ولم تسكن حدّتها ، بتغيّر الحكّام وتبدّل الأيام ، وإن أردت أن تعرف صدق ما أقول فانظر إلى ما اشتمل عليه القرنان السادس والسابع من كبار المفكّرين والعلماء ، وأنت تعلم أن هذين القرنين قد شهدا أعنف هجوم تعرّضت له الأمة الإسلامية : الحروب الصليبية ، والغزوة التّتريّة ، وقد كان هذا الهجوم الكاسح كفيلا بالقضاء على هذه الأمة الإسلامية لولا دفع اللّه وصيانته ، بما أودعه في روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار . أمّا ما تسمعه الآن من ثرثرة حول الحروب ، وما تحدثه من إحباط وانكسار ، فهو من التعلّات الباطلة ، والكذب على النفس ، وكلّ أولئك مما يلجأ إليه الضّعفة ويحتمى به الكسالى ، وإنما هو فساد الزمان وسقوط الهمم . ودعك من الدراسات الحديثة التي تعكس وجهات نظر أصحابها ، واصبر نفسك مع تلك الكتب التراثية الموسوعيّة في فنّ التراجم - وليس كالتراجم كاشفا لتاريخنا الحضارىّ ، ومسيرتنا الثقافية - مثل سير أعلام النبلاء ، لأبى عبد اللّه الذهبىّ