هبة الله بن علي الحسني العلوي

121

أمالي ابن الشجري

ومن هذه القصيدة : كبّرت حول ديارهم لمّا بدت * منها الشّموس وليس فيها المشرق « 1 » ذكرت هذا البيت لأنهم أضربوا عن الكلام فيه صفحا ، وفيه ما يقتضى أسئلة ، أولها : كيف قال : بدت منها الشّموس ، فذكر المشبّه به دون المشبّه ، وأسقط أداة التشبيه ؟ والثاني : كيف جمع الشمس وليس في العالم إلا شمس واحدة ، وهل فعل ذلك أحد من الشعراء القدماء قبله ؟ والثالث : في أىّ شيء شبّه هؤلاء الممدوحين بالشمس ؟ والجواب أنه كان حقّ تشبيههم بالشمس أن يقال : رجال مثل الشمس ، ولكنه جاء به على حذف المشبّه وإسقاط أداة التشبيه ، ليجعل كلّ واحد منهم الشمس على الحقيقة ، ثم جمع الشمس ليقابل جماعة بجماعة ، وبالغ فيما أراده من المعنى بإخباره أنه كبّر اللّه سبحانه متعجّبا من طلوع شموس في / غير جهة ، المشرق ، لأنّ ديارهم كانت في جهة المغرب . ومثل ذلك في إسقاط المشبه وحرف التشبيه ، قصدا لتحقيق الشّبه قولك : لقيت فلانا فلقيت حاتما جودا ، والنابغة شعرا ، والأحنف حلما ، وإياسا ذكاء ، وعمرو بن العاص دهاء ، وخالد بن صفوان بلاغة ، ويحيى « 3 » بن عبد الحميد كتابة . فأمّا استجازة جمع الشمس فلاختلاف مطالعها ومغاربها ، وازدياد حميها « 2 » وانتقاصه ، وتغيّر لونها في الأصائل ، ولذلك قالوا : شمس الشتاء ، وشمس الصيف ، وشمس الضّحى ، وشمس الأصيل ، فأضافوا إلى هذه الأشياء المتضادة ، وليس شمس غيرها ، ولذلك جاء في التنزيل على الأصل : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ « 4 » أي مكان

--> ( 1 ) ديوانه 2 / 337 ، وأسرار البلاغة ص 281 . ( 2 ) في ه : « جميعها » ، وفي شرح الديوان - : « حرّها » . ( 3 ) هكذا . والمعروف بالكتابة هو : عبد الحميد بن يحيى . ( 4 ) سورة الشعراء 28 ، والمزمل 9 .