هبة الله بن علي الحسني العلوي

18

أمالي ابن الشجري

حيث كانت التثنية عددا تركّب من ضمّ واحد إلى واحد ، وأول الجمع ، وهو الثلاثة ، تركّب من ضمّ واحد إلى اثنين ، فلذلك قال : « لأن الاثنين جميع » وقوله : « ولكنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يكون مفردا وبين ما يكون شيئا من شيء » معناه أنهم أعطوا المفرد حقّه من لفظ التثنية ، فقالوا في رجل : رجلان ، وفي وجه : وجهان ، ولم يفعل ذلك أهل اللغة العليا في قولهم : ما أحسن وجوه الرجلين ، وذلك أن الوجه المضاف إلى صاحبه إنما هو شيء من شيء ، فإذا ثنّيت الثاني منهما علم السامع ضرورة أن الأول لا بدّ من أن يكون وفقه في العدّة « 1 » ، فجمعوا الأول كراهة أن يأتوا بتثنيتين متلاصقتين في مضاف ومضاف إليه ، والمتضايفان يجريان مجرى الاسم الواحد ، فلمّا كرهوا أن يقولوا : ما أحسن وجهي الرجلين ، فيكونوا كأنهم قد جمعوا في اسم واحد بين تثنيتين ، غيّروا لفظ التثنية الأولى بلفظ الجمع ، إذ العلم محيط بأنه لا يكون للاثنين أكثر من وجهين ، فلمّا أمنوا اللبس في وضع الوجوه موضع الوجهين استعملوا أسهل اللفظين « 2 » . فأمّا ما في الجسد منه اثنان ، فتثنيته إذا ثنّيت المضاف إليه واجبة ، تقول : فقأت عينيهما ، وقطعت أذنيهما ، لأنك لو قلت : أعينهما وآذانهما ، لالتبس بأنك أوقعت الفعل بالأربع . فإن قيل : فقد جاء في القرآن : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما « 3 » فجمع اليد ، وفي الجسد يدان ، فهذا يوجب بظاهر اللفظ إيقاع القطع بالأربع . الجواب : أن المراد : فاقطعوا أيمانهما ، وكذلك هي في مصحف عبد اللّه « 4 » ، فلما / علم بالدليل الشرعىّ أن القطع محلّه اليمين ، وليس في الجسد إلّا يمين واحدة ، جرت مجرى آحاد الجسد فجمعت كما جمع الوجه والظهر والقلب « 5 » .

--> ( 1 ) في ه « لا بدّ أن يكون وفقه في جميع العدّة » وفي الخزانة 3 / 370 « لا بدّ أن يكون وفقه في العدد » . ( 2 ) هنا انتهى ما حكاه البغدادىّ عن ابن الشجرىّ . وقال عقبه : وهذا علّة البصريين . ( 3 ) سورة المائدة 38 . ( 4 ) ابن مسعود ، رضى اللّه عنه . وانظر معاني القرآن 1 / 306 ، وتفسير الطبري 10 / 294 ، والخزانة 3 / 371 . ( 5 ) في الخزانة : والبطن .