عبد الله بن محمد البطليوسي

424

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب

أشكرك إن أحسنت إلي ، فلا تأتي للشرط بجواب ، لأن قولك « أنا أشكرك » قد أغنى عنه ، ولأجل ما ذكرناه من معنى الشرط الموجود في إذا ؛ لا يجوز عند البصريين أن يرتفع الاسم بعدها بالابتداء ، لأن الشرط يطلب الفعل : ظاهرا أو مضمرا ، فلا يصح على مذهبهم أن يكون الأرطى هاهنا مرفوعا بالابتداء ، ولكن يقدر له فعل يفسره ما بعده « 1 » ، كأنه قال : إذا توسّد الأرطى أبرديه . والكوفيون يجيزون فيه الابتداء . وقوله : بالرمل في موضع جر على الصفة ل جوازئ ، كأنه قال : « جوازئ كائنة بالرمل » أو مستقرة ، فللباء موضع ، لتعلقها بمحذوف ، وصرف جوازئ ضرورة . وذكر أبو الفرج الأصبهاني في هذا البيت حكاية مستظرفة ، رأيت ذكرها في هذا الموضع « 2 » : حكى عن المدائني أن عبد الملك بن مروان نصب الموائد يطعم الناس فجلس رجل من أهل العراق على بعض الموائد ، فنظر إليه خادم لعبد الملك فأنكره فقال : أعراقي أنت ؟ . قال نعم . فقال : بل أنت جاسوس . قال لا ، ويحك دعني أتهنأ بطعام أمير المؤمنين ولا تنغصه عليّ . ثم إن عبد الملك أقبل يطوف على الموائد ، فوقف على تلك المائدة ، فقال : من القائل : [ من الوافر ] إذا الأرطى توسّد أبرديه * خدود جوازئ بالرّمل عين وما معناه ؟ ومن أجاب فيه أجزناه . فقال العراقي للخادم : أتحب أن أشرح لك ذلك ؟ قال : نعم . فقال : هذا البيت يقوله عدي بن زيد في صفة البطيخ الرمسي ، فنهض الخادم مسرورا إلى عبد الملك ، فأخبره ، فضحك عبد الملك حتى سقط ، فقال له الخادم : أخطأت يا مولاي أم أصبت ؟ فقال : بل أخطأت . فقال : هذا العراقي لقّنني إياه . فقال : أي الرجال هو ؟ فأراه إياه ، فقال : أنت لقنته هذا ؟ فقال : نعم . فقال : أصوابا لقنته أم خطأ ؟ فقال : بل خطأ . فقال : ولم ؟ فقال : لأني كنت متحرّما بمائدتك ، فقال لي كيت وكيت ، فأردت أن أكفه عني ، وأضحك منه . فقال له عبد الملك : فكيف [ 298 ] الصواب ؟ فقال : هذا البيت يقوله الشماخ بن ضرار الغطفاني ، في صفة البقر الوحشية التي قد جزأت بالرطب عن الماء ، فقال : صدقت ، وأمر له بجائزة ، ثم قال له : ألك حاجة ؟ قال نعم . قال : وما هي ؟ قال : تنحّي هذا عن بابك ، فإنه يشينه .

--> ( 1 ) أي إن « الأرطى » يعربها البصريون : فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده ، وهو الفعل « توسد » . ( 2 ) انظر الخبر في الأغاني 9 / 170 ، 171 .