عبد الله بن محمد البطليوسي

413

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب

والتفسير الأول أجود في هذا الموضع ، ليختلف المعنيان ، لأنه قال : أو كالمختبل . ويدل أيضا على أن الطرب : الجزع ، قوله قبل قول هذا البيت « 1 » : سألتني جارتي عن أسرتي * وإذا ما عيّ ذو اللّبّ سأل سألتني عن أناس هلكوا * شرب الدّهر عليهم وأكل وقوله : وأراني طربا في إثرهم : يجوز أن تكون هذه الرؤية رؤية علم ، وهو الوجه ، فيكون طربا مفعولا ثانيا ، ويجوز أن يكون رؤية عين ، فيكون طربا منصوبا على الحال ، لأن هذا مما يرى بالعين ، ويرى بالقلب . وإنما قلنا إن الأول هو الوجه ، لقوله : أراني ، فعدّى فعل الضمير المتصل إلى الضمير ، وهما جميعا للمتكلم ، ولا يجيز سيبويه وأصحابه تعدي فعل الضمير المتصل إلى نفسه إلا في الأفعال المتعدية إلى مفعولين ، مما يدخل على مبتدأ وخبر ، كقولك : ظننتني خارجا ، وحسبتك منطلقا ، ولا يجيز ذلك في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد ، فلا تقول : ضربتني ، إنما تقول ضربت نفسي ولا تقول للمخاطب : ضربتك ، إنما تقول : ضربت نفسك . وقد جاء ذلك في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد ، إلّا أنه قليل ، فقالوا : فقدتني وعدمتني ، قال قيس بن ذريح « 2 » : [ من الطويل ] ندمت على ما كان مني ، فقدتني * كما يندم المغبون حين يبيع وقال عنترة « 3 » : [ من الكامل ] فرأيتنا ما بيننا من حاجز * إلّا المجنّ ونصل أبيض مقصل واستعمل ذلك أبو الطيب المتنبي ، فقال « 4 » : [ من الطويل ] يرى حدّه غامضات القلوب * إذا كنت في هبوة لا أراني « 5 »

--> ( 1 ) ديوان النابغة الجعدي ص 92 ، 98 ، والمعاني الكبير ص 1208 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 807 ، واللسان 1 / 557 ( طرب ) ، والتاج 3 / 268 ( طرب ) ، والثاني في أساس البلاغة ( شرب ) ، والأزهية ص 285 ، واللسان 11 / 22 ( أكل ) ، ونسب الثاني إلى دهمان النهري في الحيوان 5 / 28 . ( 2 ) ديوان قيس ولبنى ص 115 ، وسمط اللآلي ص 133 ، وأمالي القالي 1 / 136 ، وهو لمجنون ليلى في ديوانه ص 192 . ( 3 ) ديوانه ص 60 ، وهو بلا نسبة في همع الهوامع 1 / 264 . ( 4 ) ديوان المتنبي بشرح البرقوقي 4 / 324 ، وديوانه بشرح العكبري 4 / 191 . ( 5 ) حده : أي في حد السيف . الهبوة : الغبار .