محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي ( ابن الأبار )

17

إعتاب الكُتّاب

لا يمكننا أن نحدد التاريخ الذي استطاع فيه ابن الأبار أن يسترضي المستنصر وأن يفوز بعفوه ، ولكن ابن الأبار لم يستطع أن يحتفظ برضى السلطان طويلا بعد عودته إلى تونس ، ذلك أنه كانت تبدو منه نزوات تغضب المستنصر « 1 » ، فكان يدل دائما بعلمه ، ويتدخل أحيانا في أمور لا تعنيه ! وأصبح السلطان إذا ورد عليه لغز أو معمّى أو مترجم بعث به إلى ابن الأبار فيحله ، حتى إذا دخل عليه لم يكلمه ولم يلتفت إليه ، وكان ابن الأبار يتشكى من ذلك ويتألم « 2 » ، وينعى على الزمان سوء حظه « 3 » : علت سني وقدري في انخفاض * وحكم الربّ في المربوب ماض إلى كم أسخط الأقدار حتى * كأني لم أكن يوما براض ولقد حاول ابن الأبار محاولة أخيرة أن يستعيد مكانته لدى السلطان فباء بالخذلان وعجّل بنكبته ! ذلك أنه حضر يوما مجلس السلطان فسمعه يسأل بعض من حضر عن مولد ولده الواثق ، فغدا عليه ابن الأبار في اليوم التالي برقعة فيها تاريخ الولادة وطالعها « 4 » ، فلما رآها المستنصر استشاط غضبا من فضوله وتطفّله ، وكانت وشايات الحساد لا تني توغر صدر السلطان ، وتتهم ابن الأبار عنده بتوقع المكروه للدولة ، وتشنّع عليه لنظره في النجوم ، فأمر السلطان بالقبض عليه ، ومصادرة جميع كتبه ومؤلفاته ،

--> ( 1 ) - يقول ابن خلدون : « كان في ابن الأبار أنفة وبأو ( كبر ) وضيق خلق ، وكان يزري على المستنصر في مباحثه ويستقصر مداركه . . . مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس وولاتها عليه » 1 / 430 - 431 ( 2 ) - نفح الطيب : 3 / 349 ( 3 ) - أزهار الرياض : 3 / 222 ( 4 ) - ابن خلدون : 1 / 431 ، وتاريخ الدولتين للزركشي : ص 27