يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

264

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

ويهذبها في ستة أشهر ، وقال الجاحظ : كان زهير يسمّي كبار قصائده الحوليّات . وقد سار تلامذة زهير على نهج أستاذهم كالحطيئة الشاعر الإسلامي وسواه . وكان هذا المذهب الفني في الشعر الجاهلي - مذهب الصنعة والتصنيع - أثر للتنافس بين الشعراء وقيام الأسواق الأدبية كعكاظ وسواه بالحكومة الأدبية بينهم . وكان النابغة تقام له قبّة في عكاظ ويتحاكم إليه الشعراء ، كما كان أثر للتكسّب بالشعر واتخاذه وسيلة للثّراء وعكوف الشعراء المصنّعين على تجويد مدائحهم ليستخرجوا بها سني الهدايا والألطاف من ممدوحيهم ، وكان ارتباط الشعر الجاهلي بالغناء ورغبة بعض الشعراء في التجويد والتجديد في المعاني من أسباب نشأة هذا المذهب الفني أيضا . وإذا نظرنا إلى الشعر الجاهلي نفسه وجدنا الفرق كبيرا بين آثار أصحاب الطبع والبديهة كطرفة وامرئ القيس ومهلهل وآثار الشعراء المصنّعين . والمعلقات السبع وهي من أشهر القصائد الجاهلية في البلاغة الأدبية وأحفلها بمواهب الشاعرية والفن والخيال وخصب الملكات ، كلها من آثار الطبع الأدبي الموهوب ؛ وليس فيها شيء من مظاهر الصناعة الفنية ؛ فمعلقة امرئ القيس أروع صورة لحياة الشاعر وترفه ولهوه ، ومعلقة عمرو بن كلثوم ملحمة تاريخية تصوّر التاريخ القومي والحربي والسياسي لقبيلة الشاعر « تغلب » ومعلقة عنترة حديث عذب جميل بين الحب والحرب والبطولة ؛ ومعلقة زهير دعوة للسلام ووصف لأهوال الحرب وقسوتها على الناس والبشرية ، ويكاد يكون زهير فيها أشبه شيء بالمطبوع ، ويكاد أسلوبه فيها يبعد عن الصنعة وآثارها الفنية . وشتّان بين معلقة زهير هذه وبين قصيدة النابغة : [ الطويل ] كليني لهم يا أمية ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب أو قصيدة أخرى لزهير نفسه هي : [ الطويل ] صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله * وعرّى أفراس الصبا وزواحله لبعد ما بين الأثر المطبوع والأثر المصنوع .