يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

214

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

حدابير ، وضنّت المراضع على أولادها ، فما تبض ( 1 ) بقطرة ، وحلقت ( 2 ) ألسنة المال ، وأبقنا بالهلاك . فو اللّه أنا لفي ليلة صنبر ( 3 ) ، بعيدة ما بين الطرفين ، إذ تضاغى ( 4 ) صبيتنا جوعا : عبد اللّه وعديّ وسفانة ، فقام حاتم إلى الصبيين ، وقمت أنا إلى الصبية ، وأقبل يعلّلني بالحديث ، فعرفت ما يريد ، فتناومت . فلما تهوّرت ( 5 ) النجوم ، إذا شيء قد رفع كسر البيت ( 6 ) ثم عاد . فقال حاتم : من هذا ؟ قالت : جاريتك فلانة ، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب ، فما وجدت معولا إلا عليك يا أبا عدي . فقال : أعجليهم فقد أشبعك اللّه ! . فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة ، كأنها نعامة حولها رئالها ( 7 ) . فقام حاتم إلى فرسه فوجأ ( 8 ) لبّته بمدية فخرّ ، ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة ، فقال لها : شأنك ! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل . ثم جعل يمشي الحيّ يأتيهم بيتا بيتا فيقول : هبّوا أيها القوم ؛ عليكم بالنار ؛ فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا . فو اللّه إن ذاق منه مزعة ( 9 ) وإنه لأحوج إليه منّا ! فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر ، فأنشأ حاتم يقول : [ البسيط ] مهلا نوار أقلّي اللوم والعذلا * ولا تقولي لشيء فات : ما فعلا ولا تقولي لمال كنت مهلكه * مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا يرى البخيل المال واحدة * إن الجواد يرى في ماله سبلا - 8 - ولما تزوج حاتم ماوية ( 10 ) ، وكانت من أحسن النساء ، لبثت عنده زمنا ، ثم إن ابن عمّ له - يقال له مالك - قال لماوية : ما تصنعين بحاتم ؟ فو اللّه لئن وجد شيئا ليتلفنّه ، ولئن لم يجد ليتكلّفن ، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه ، طلّقي حاتما وأنا أتزوج بك ، فأنا خير لك منه

--> ( 1 ) تبض : تسيل قليلا قليلا . ( 2 ) التحليق : وجع يصيب الحلق وهو كناية عن الفقن والمسغبة . ( 3 ) صنبر : باردة . ( 4 ) تضاغوا : تصايحوا . ( 5 ) تهوّرت : انحدرت إلى المغرب . ( 6 ) الكسر : الشقّة السفلى من الخباء . ( 7 ) الرئال : أولاد النعام . ( 8 ) وجأ : طعن . ( 9 ) مزعة : القطعة من اللحم . وإن نافية بمعنى ما . ( 10 ) ذيل الأمالي ص 153 .