يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
20
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
7 - يضاف إلى ذلك فطرة الشاعر وخلقه وصفاته من حدّة الذّهن واضطرام الشعور وثوران العواطف والتهاب المشاعر . إلى ما سوى ذلك من أسباب الشعر وبواعثه في نفس الشاعر . ولا عجب في ذلك ، فقد كانت ملكات البلاغة والشعر قوية في نفس طرفة حتى في طفولته ، ولقد روي ( 1 ) أن المتلمس شاعر ربيعة في زمانه وخال طرفة وقف على مجلس لقومه من بني قيس بن ثعلبة فاستنشدوه ، فأنشدهم شعرا جاء فيه : [ الطويل ] وقد أتناسى الهم عند احتضاره * بناج عليه الصيعرية مكدم ( 2 ) والصيعرية : سمة تكون للإناث خاصة « فقال له طرفة وهو غلام - وطرفة لا يعرفه - : استنوق الجمل ، أي وصفت الجمل بوصف الناقة وخلطت ، فذهبت كلمته مثلا ، وضحك القوم » وغضب المتلمس ، ونظر إلى لسان طرفة وقال : ويل لهذا مني هذا ؛ يعني رأسه من لسانه . ويروى أن تلك القصة كانت مع عمرو بن كلثوم لا مع المتلمس ( ص 40 و 41 جمهرة أشعار العرب ) . خصائص شاعريته : أولا - من حيث الألفاظ : يجمع طرفة بين العذوبة الجميلة السلسة والحوشية الغريبة المعقدة في ألفاظه . فإذا وصف رأيت ألفاظا بعيدة غريبة قوية ضخمة مسرفة في حوشيتها وغرابتها ، وإذا فخر أو هجا رأيته يقرب من السهولة والوضوح في لفظه ، وإذا أرسل الحكمة رأيت جمالا وسلاسة وسهولة . والظاهر أن مرجع ذلك هو حياة الشاعر الشعرية ، فقد بدأ في صغره ينظم الشعر يصف به مشاهد الطبيعة ، وروائعها الماثلة أمام بصره ؛ وكانت شاعريته في بدء أمرها قوية خشنة قوة البداوة وخشونة الصحراء ، فقوي في ألفاظه وأغرب ؛ ثم أخذت شاعريته تنضج وبدأ يكثر من قصائده في الفخر بأحسابه وهجاء خصومه فأخذت ألفاظه تلين وتسهل ، ثم خبر الحياة وطاف في الأرجاء وشاهد ألوانا من التفكير والمذاهب والآراء ، فكانت شاعريته قد كمل نضجها . فبدأت ألفاظه تسلس وتسهل وتقرب من ذوق البدوي المتحضّر الذي يبعد عن حياة الخشونة ومظاهر الإغراب في البداوة .