يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
43
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
والده ذرعا فأبعده عنه ، فأقام مع أمثاله من أهل البطالة واللهو حتى قتل أبوه فذهبت سكرته وطالت حسرته ، وهبّ للأخذ بثأره حتى قضى عليه أخيرا إسرافه في الانتقام . ذلك هو امرؤ القيس قائد الشعراء في الجاهلية ، وحامل لواء الشعر في ذلك العصر البعيد ، والمفتن في أبواب الشعر وأغراضه ؛ والمجلى في بيان أسرار الجمال واللهو وفي رقّة الأسلوب وسحره ، وفي جزالة اللفظ وأسره ، وفي روائع التشبيه وبدائع الخيال ؛ وفي ابتداع الكثير من المعاني الشعرية الطريفة التي قلّده فيها سواه من الشعراء وتتناول المعلقة كثيرا من فنون الشعر ؛ وتحوي الكثير من الأفكار المنوّعة ، ففيها بكاء لديار أحبابه في ثلاثة أبيات وتصوير لحيرته وذهوله يوم رحيلهنّ واستيقاف لأصحابه ليحملوا معه عبء الحزن والشجى في بيتين وفيها شرح للهوه وعبثه وقصّ لذكرياته وأشجانه مع محبوباته ووصف للجمال العربي وزينة المرأة في الجاهلية ولأثر الجمال وسحره في النفوس وذلك في عشرين بيتا وفيها مناجاة الليل وذكر لطوله وآلامه فيه في خمسة أبيات ووصف دقيق لفرسه في ثمانية عشر بيتا وللبرق والمطر ونشوة الطبيعة في عشرة أبيات فأبياتها تبلغ الستين أو تزيد وهي كلها في درجة عالية من الإحسان . ويقول الزوزني في سبب إنشاد هذه القصة : « السبب في إنشادها هو قصة غدير دارة جلجل حيث كان امرؤ القيس يحب ابنة عمّه عنيزة فتركها تستحم في هذا الغدير مع أتراب لها وجمع ملابسهنّ ثم لم يعطها لهنّ إلا بعد مرورهن أمامه عاريات ، ثم ذبح لهنّ ناقته وقسم متاعه عليهنّ يحملنه وركب مع عنيزة في هودجها » . وقد بدأها ببكاء الديار بمطلع جميل ساحر ثم يستمر في وصف الديار وآثارها حتى يقول : [ الطويل ] وقوفا بها صحبي على مطيهم ثم يصف ذكريات لهوه وعبثه وغزله . ثم يصف الليل وطوله ؛ ويصف الفرس وقوته ؛ ويذكر الصيد الذي صاده وطهي الطهاة له وسط الصحراء ويصف البرق والمطر في عذوبة وسحر وجمال .