يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

41

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

وفيها جلّ ما ابتكره امرؤ القيس من المعاني الشعرية التي فضل بها على غيره من الشعراء وعدّ بها أميرهم وقائدهم ، ففيها بكاء للديار واستيقاف للصحب وتجويد في النسيب وتصوير لاستهتاره ومجونه ، وقصّ لذكرياته وأيامه ، وإبداع في وصف الليل وطوله ، والفرس ومحاسنه ، والبرق ، والمطر وآثاره . وفي المعلقة الكثير من التشبيهات الجميلة . كتشبيه موقفه حين رحيل أحبابه بموقف الحنظل وفي غزارة ما ينهمر منهما من دموع وكتشبيه عبق الرائحة من حبيبه بعبق رائحة النسيم قد جاء بريا القرنفل وتشبيه شحم ناقته بهداب الدمقس المفتل ؛ والثغر بالأقحوان المنوّر ؛ وتعرّض الثريا في السماء بتعرّض أثناء الوشاح المفصل ، وتشبيه ترائب المرأة بالمرآة المجلوّة ، وجيدها بجيد الظّباء ، وبنانها بأساريع الظبي ، وجمالها المشرق بمنارة الراهب المتبتل ، وتشبيه الليل بموج البحر واهتزام الفرس بغلي المرجل ، فقد أخذ الحسن من جميع الحيوانات ، أخذ من الظبي خاصرته ومن النعامة ساقها ؛ ومن الذئب والثعلب مشيهما ، فهو جواد ويا له من جواد ضافي الذيل مستقيم العسيب « 1 » ؛ لمّاع الظهر كما تلمع صلاية الحنظل مما يعلق بها من الدهن اللامع ، أو صلاية عروس تدق فيها العطر والطيب ؛ وكأن دماء هوادي فرائسه في نحره المخضوب عصارة حناء في شيب مسرح . وتمتاز المعلقة بكناياتها الساحرة ؛ كنئوم الضحى في وصف المرأة بالترف والنعمة وقوله : « لم تنتطق عن تفضل » في وصفها بأنها عزيزة منعّمة لم تعزّ بعد ذلّ ولم تنعم بعد شقاء ، وقوله : « إذا ما اسبكرّت بين درع ومجول » يريد إذا بلغت سن الشباب لأنه الدرع هو قميص المرأة والمجول ثوب تلبسه الفتاة وتجول فيه قبل أن تخدر ، وقوله : « قيد الأوابد » في وصف الفرس بسرعة العدو ، وقوله : « ولم ينضح بماء فيغسل » في وصفه بالنشاط . وفيها كثير من المجازات الجميلة والاستعارات المبدعة كقوله : « فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي » يريد بالثياب القلب أو الصداقة ، وقوله : « وبيضة خدر » يريد امرأة كريمة مخدرة ، وقوله في وصف الليل بالطول : « فقلت له لما تمطى بصلبه » ، وقوله : « وتتقي بناظرة من وحش وجرة » ، وكذلك قوله : « له أيطلا ظبي وساقا نعامة » من أساليب التجريد أو التشبيه الجميلة . وقد تجد في المعلقة تنقلا في الخيال وفي رسم الصور الشعرية ، ولكن لا ضير في ذلك ، لأن الشعر فن ، والفنون تأبى أن تخضع لقيود المنطق والفلسفة وحريتها في

--> ( 1 ) عظم الذنب .