يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

24

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

ويقول الآمدي : « وفضل امرؤ القيس لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة ؛ فوق ما استعار سائر الشعراء منه في الجاهلية والإسلام . ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدّم على غيره ولكان كسائر شعراء أهل زمانه . ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجّوا في تقديمه بأن قالوا هو أول من شبّه الخيل بالعصا وذكر الوحش والطير وأول من قال قيد الأوابد الخ . . . فهل هذا التقديم إلا لأجل معانيه ( 1 ) . ومن آثار شعر الطبيعة عند امرئ القيس وصفه الجميل الرائع لليل وطوله : [ الطويل ] وليل كموج البحر أرخى سدوله * عليّ بأنواع الهموم ليبتلي « 1 » فقلت له لمّا تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثل فيا لك من ليل كأنّ نجومه * بكل مغار الفتل شدّت بيذبل والقارئ يقف أمام هذه القطعة الفنية الجميلة متأمّلا معجبا مشدوها من روعة البيان وجمال التصوير ودقّة التعبير وقوّة التأثير ومن هذه الشخصية الفنيّة الكاملة التي تبرز من هذه الأبيات في وضوح وقوة وجمال . الليل رهيب ، ظلماته كالموج ، اللجي ؛ وقد أقبل على الشاعر ؛ فأثار في نفسه الذكريات ؛ وهاج كوامن الأحزان وبعث الهموم من مرقدها ؛ وترك النفس موزّعة حيرى مفزعة . واستمرت صور الماضي وأحداث الحاضر تتراءى أمام عينيه يتذكّرها ويذكرها ؛ يتذكر حياته اللاهية العابثة في صباه ؛ وهذه الآمال والآلام التي تعتلج في صدره وذكريات الحب والأحباب المؤثّرة الباقية . وطال الليل على الشاعر وطال ، وامتد وامتد ؛ فرسم لطوله هذه الصورة البارعة التي تجدها في البيت الثاني ، فكأنه يتمطّى بصلبة ، وكأن أعجازه وأواخره يردف بعضها بعضا ؛ وكأنه يقع بصدره على المهمومين والمحزونين ليوسعهم ألما وشقاء .

--> ( 1 ) الأبيات في الديوان ص 117 .