محمد بن الحسن بن دريد الأزدي

4

الاشتقاق

وكان الذي حدانا على إنشاء هذا الكتاب ، أنّ قوما ممن يطعن على اللّسان العربىّ وينسب أهله إلى التّسمية بما لا أصل له في لغتهم ، وإلى ادّعاء ما لم يقع عليه اصطلاح من أوّليّتهم ، وعدّوا أسماء جهلوا اشتقاقها ولم ينفذ علمهم في الفحص عنها ، فعارضوا بالإنكار واحتجّوا بما ذكره الخليل بزعمهم : أنّه سأل أبا الدّقيش « 1 » : ما الدّقيش ؟ فقال : لا أدرى ، إنّما هي أسماء نسمعها ولا نعرف معانيها . وهذا غلط على الخليل ، وادّعاء على أبى الدّقيش . وكيف يغبي على أبى عبد الرحمن الخليل بن أحمد - نضّر اللّه وجهه - مثل هذا وقد سمع العرب سمّت : دقشا ودقيشا ودنقشا ، فجاءوا به مكبّرا ومحقّرا ، ومعدولا من بنات الثلاثة إلى بنات الأربعة بالنون الزائدة . والدّقش معروف ، وسنذكره في جملة الأسماء التي عموا عن معرفتها ، ونفرد لها بابا في آخر كتابنا هذا ، وباللّه العصمة من الزّبغ ، والتوفيق للصواب . وأخبرنا أبو حاتم سهل بن محمّد السّجستانيّ قال : قيل للعتبىّ : ما بال العرب سمّت أبناءها بالأسماء المستشنعة ، وسمّت عبيدها بالأسماء المستحسنة ؟ فقال : لأنّها سمّت أبناءها لأعدائها ، وسمّت عبيدها لأنفسها . وقد أجاب العتبىّ بجملة كافية ، ولكنّها محتاجة إلى شرح ، يوضّحها الاشتقاق ، وسنأتي على ذلك إن شاء اللّه . فابتدأنا هذا الكتاب باشتقاق اسم نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ، إذ كان المقدّم في الملأ الأعلى ؛ ثم باشتقاق أسماء آبائه إلى معدّ بن عدنان حيث انتهى صلى اللّه عليه وسلم بنسبه ثم قال : « كذب النسّابون » ، يقول اللّه عزّ وجلّ : وَقُرُوناً بَيْنَ

--> ( 1 ) ذكره ابن النديم في الفهرست 70 مصر 47 ليبسك ، في الأعراب الفصحاء الذين روى عنهم العلماء ، وسماه : أبا الدقيش القنانى الغنوي . وفي اللسان : « قال أبو زيد : دخلت على أبى الدقيش الأعرابي وهو مريض ، فقلت له : كيف تجدك يا أبا الدقيش ؟ قال : أجد ما لا أشتهي ، وأشتهي ما لا أجد ، وأنا في زمان سوء ، زمان من وجد لم يجد ، ومن جاد لم يجد » .