ابن حجر العسقلاني

376

فتح الباري

يحيى بن سعيد والنسائي من طريق حجاج بن محمد كلاهما عن شعبة ولفظهما فقال لا تصل زاد السراج حتى تجد الماء وللنسائي نحوه وهذا مذهب مشهور عن عمر ووافقه عليه عبد الله بن مسعود وجرت فيه مناظرة بين أبى موسى وابن مسعود كما سيأتي في باب التيمم ضربة وقيل إن ابن مسعود رجع عن ذلك وسنذكر هناك توجيه ما ذهب إليه عمر في ذلك والجواب عنه ( قوله في سفر ) ولمسلم في سرية وزاد فأجنبنا وسيأتي للمصنف مثله في الباب الذي بعده من رواية سليمان بن حرب عن شعبة ( قوله فتمعكت ) وفى الرواية الآتية بعد فتمرغت بالغين المعجمة أي تقلبت وكان عمارا استعمل القياس في هذه المسئلة لأنه لما رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء رأى أن التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل ويستفاد من هذا الحديث وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وان المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وان لم يصب الحق وانه إذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة وفى تركه أمر عمر أيضا بقضائها متمسك لمن قال إن فاقد الطهورين لا يصلى ولا قضاء عليه كما تقدم ( قوله انما كان يكفيك ) فيه دليل على أن الواجب في التيمم هي الصفة المشروحة في هذا الحديث والزيادة على ذلك لو ثبتت بالامر دلت على النسخ ولزم قبولها لكن انما وردت بالفعل فتحمل على الأكمل وهذا هو الأظهر من حيث الدليل كما سيأتي ( قوله وضرب بكفيه الأرض ) في رواية غير أبي ذر فضرب النبي صلى الله عليه وسلم وكذا للبيهقي من طريق آدم ( قوله ونفخ فيهما ) وفى رواية حجاج الآتية ثم أدناهما من فيه وهى كناية عن النفخ وفيهما إشارة إلى أنه كان نفخا خفيفا وفى رواية سليمان بن حرب تفل فيهما والتفل قال أهل اللغة هو دون البزق والنفث دونه وسياق هؤلاء يدل على أن التعليم وقع بالفعل ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد وللإسماعيلي من طريق يزيد بن هارون وغيره كلهم عن شعبة ان التعليم وقع بالقول ولفظهم انما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض زاد يحيى ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب كما تقدم وعلى سقوط استحباب التكرار في التيمم لان التكرار يستلزم عدم التخفيف وعلى ان من غسل رأسه بدل المسح في الوضوء أجزأه أخذا من كون عمار يمرغ في التراب للتيمم وأجزأه ذلك ومن هنا يؤخذ جواز الزيادة على الضربتين في التيمم وسقوط ايجاب الترتيب في التيمم عن الجنابة ( قوله باب التيمم للوجه والكفين ) أي هو الواجب المجزئ وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله فان الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه فاما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملا وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن وفى رواية إلى نصف الذراع وفى رواية إلى الآباط فاما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره إن كان ذلك وقع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فكل تيمم صح للنبي صلى الله عليه وسلم بعده فهو ناسخ له وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به ومما يقوى رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد وسيأتي الكلام على مسئلة الاقتصار على ضربة واحدة في بابه إن شاء الله تعالى ( قوله حدثنا حجاج ) هو ابن منهال