ابن حجر العسقلاني
370
فتح الباري
الذي وقع وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة أنت أول رسول إلى أهل الأرض فليس المراد به عموم بعثته بل اثبات أولية ارساله وعلى تقدير ان يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آيات على أن ارسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم واستدل بعضهم لعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فاهلكوا بالغرق الا أهل السفينة ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقد ثبت انه أول الرسل وأجيب بجواز ان يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم فأجيب وهذا جواب حسن لكن لم ينقل انه نبئ في زمن نوح غيره ويحتمل ان يكون معنى الخصوصية لنبينا صلى الله عليه وسلم في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة ونوح وغيره بصدد ان يبعث نبي في زمانه أو بعد فينسخ بعض شريعته ويحتمل ان يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس فتمادوا على الشرك فاستحقوا العقاب والى هذا نحا ابن عطية في تفسير سورة هود قال وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته ووجهه ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز ان يكون عاما في حق بعض الأنبياء وإن كان التزام فروع شريعته ليس عاما لان منهم من قاتل غير قومه على الشرك ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم ويحتمل انه لم يكن في الأرض عند ارسال نوح الا قوم نوح فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط وهى عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم وغفل الداودي الشارح غفلة عظيمة فقال قوله لم يعطهن أحد يعنى لم تجمع لاحد قبله لان نوحا بعث إلى كافة الناس وأما الأربع فلم يعط أحد واحدة منهن وكأنه نظر في أول الحديث وغفل عن آخره لأنه نص صلى الله عليه وسلم على خصوصيته بهذه أيضا لقوله وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وفى رواية مسلم وكان كل نبي إلى آخره ( قوله نصرت بالرعب ) زاد أبو أمامة يقذف في قلوب أعدائي أخرجه أحمد ( قوله مسيرة شهر ) مفهومه انه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها أما ما دونها فلا لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر فالظاهر اختصاصه به مطلقا وانما جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه وهذه الخصوصية حاصلة له على الاطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر وهل هي حاصلة لامته من بعده فيه احتمال ( قوله وجعلت لي الأرض ) مسجدا أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ويمكن ان يكون مجازا عن المكان المبنى للصلاة وهو من مجاز التشبيه لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك قال ابن التيمي قيل المراد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وجعلت لغيري مسجدا ولم تجعل طهورا لان عيسى كان يسيح في الأرض ويصلى حيث أدركته الصلاة كذا قال وسبقه إلى ذلك الداودي وقيل انما أبيح لهم في موضع يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض الا فيما تيقنوا نجاسته والأظهر ما قاله الخطابي وهو ان من قبله انما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ