ابن حجر العسقلاني

300

فتح الباري

قوله في رواية مسلم كيف يفعل يا أبا هريرة قال يتناوله تناولا فدل على أن المنع من الانغماس فيه لئلا يصير مستعملا فيمتنع على الغير الانتفاع به والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره وهذا من أقوى الأدلة على أن المستعمل غير طهور وقد تقدمت الأدلة على طهارته ولا فرق في الماء الذي لا يجرى في الحكم المذكور بين بول الآدمي وغيره خلافا لبعض الحنابلة ولا بين ان يبول في الماء أو يبول في اناء ثم يصبه فيه خلافا للظاهرية وهذا كله محمول على الماء القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حد القليل وقد تقدم قول من لا يعتبر الا التغير وعدمه وهو قوى لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك لكنه اعتذر عن القول به بان القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة ولم يثبت من الحديث تقديرهما فيكون مجملا فلا يعمل به وقواه ابن دقيق العيد لكن استدل له غيرهما فقال أبو عبيد القاسم بن سلام المراد القلة الكبيرة إذ لو أراد الصغيرة لم يحتج لذكر العدد فان الصغيرتين قدر واحدة كبيرة ويرجع في الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجاز والظاهر أن الفاء عليه السلام ترك تحديدهما على سبيل التوسعة والعلم محيط بأنه ما خاطب الصحابة الا بما يفهمون فانتفى الاجمال لكن لعدم التحديث وقع الخلف بين السلف في مقدارهما على تسعة أقوال حكاها ابن المنذر ثم حدث بعد ذلك تحديدهما بالأرطال واختلف فيه أيضا ونقل عن مالك انه حمل النهى على التنزيه فيما لا يتغير وهو قول الباقين في الكثير وقال القرطبي يمكن حمله على التحريم مطلقا على قاعدة سد الذريعة لأنه يفضى إلى تنجيس الماء ( قوله ثم يغتسل فيه ) كذا هنا وفى رواية ابن عيينة عن أبي الزناد ثم يغتسل منه وكذا لمسلم من طريق ابن سيرين وكل من اللفظين يفيد حكما بالنص وحكما بالاستنباط قاله ابن دقيق العيد ووجهه ان الرواية بلفظ فيه تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط والرواية بلفظ منه بعكس ذلك وكله مبنى على أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة والله أعلم ( قوله باب إذا ألقى على ظهر المصلى قذر ) بفتح الذال المعجمة أي شئ نجس ( أو جيفة ) أي ميتة لها رائحة ( قوله لم تفسد ) محله ما إذا لم يعلم بذلك وتمادى ويحتمل الصحة مطلقا على قول من ذهب إلى أن اجتناب النجاسة في الصلاة ليس بفرض وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ واليه ميل المصنف وعليه يتخرج صنيع الصحابي الذي استمر في الصلاة بعد أن سالت منه الدماء برمى من رماه وقد تقدم الحديث عن جابر بذلك في باب من لم ير الوضوء الا من المخرجين ( قوله وكان ابن عمر ) هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة من طريق برد بن سنان عن نافع عنه انه كان إذا في الصلاة فرأى في ثوبه دما فاستطاع ان يضعه وضعه وان لم يستطع خرج فغسله ثم جاء فيبنى على ما كان صلى واسناده صحيح وهو يقتضى أنه كان يرى التفرقة بين الابتداء والدوام وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين والأوزاعي واسحق وأبى ثور وقال الشافعي وأحمد يعيد الصلاة وقيدها مالك بالوقت فان خرج فلا قضاء وفيه بحث يطول واستدل للأولين بحديث أبي سعيد انه صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة ثم قال إن جبريل أخبرني ان فيهما قذرا أخرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه الحاكم ولم يذكر في الحديث إعادة وهو اختيار جماعة من الشافعية وأما مسئلة البناء على ما مضى فتأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى ( قوله وقال ابن المسيب والشعبي ) كذا للأكثر وهو الصواب وللمستملى