ابن حجر العسقلاني

274

فتح الباري

على أكثر النحويين مع وروده في القرآن كقوله تعالى لمسكم فيما أخذتم وفى الحديث كما تقدم وفى الشعر فذكر شواهد انتهى وقد اختلف في معنى قوله وانه لكبير فقال أبو عبد الملك البوني يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم ظن أن ذلك غير كبير فأوحى إليه في الحال بأنه كبير فاستدرك وتعقب بأنه يستلزم ان يكون نسخا والنسخ لا يدخل الخبر وأجيب بان الحكم بالخبر يجوز نسخه فقوله وما يعذبان في كبير اخبار بالحكم فإذا أوحى إليه أنه كبير فأخبر به كان نسخا لذلك الحكم وقيل يحتمل ان الضمير في قوله وانه يعود على العذاب لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة يعذبان عذابا شديدا في ذنب هين وقيل الضمير يعود على أحد الذنبين وهو النميمة لأنها من الكبائر بخلاف كشف العورة وهذا مع ضعفه غير مستقيم لان الاستتار المنفى ليس المراد به كشف العورة فقط كما سيأتي وقال الداودي وابن العربي كبير المنفى بمعنى أكبر والمثبت واحد الكبائر أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلا وإن كان كبيرا في الجملة وقيل المعنى ليس بكبير في الصورة لان تعاطى ذلك يدل على الدناءة والحقارة وهو كبير في الذنب وقيل ليس بكبير في اعتقادهما أو في اعتقاد المخاطبين وهو عند الله كبير كقوله تعالى وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم وقيل ليس بكبير في مشقة الاحتراز أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة وقيل ليس بكبير بمجرده وانما صار كبيرا بالمواظبة عليه ويرشد إلى ذلك السياق فإنه وصف كلا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه واستمراره عليه للاتيان بصيغة المضارعة بعد حرف كان والله أعلم ( قوله لا يستتر ) كذا في أكثر الروايات بمثناتين من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وفى رواية ابن عساكر يستبرئ بموحدة ساكنة من الاستبراء ولمسلم وأبى داود في حديث الأعمش يستنزه بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء فعلى رواية الأكثر معنى الاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعنى لا يتحفظ منه فتوافق رواية لا يستنزه لأنها من التنزه وهو الابعاد وقد وقع عند أبي نعيم في المستخرج من طريق وكيع عن الأعمش كان لا يتوقى وهى مفسرة للمراد وأجراه بعضهم على ظاهرة فقال معناه لا يستر عورته وضعف بان التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقل الكشف بالسببية واطرح اعتبار البول فيترتب العذاب على الكشف سواء وجد البول أم لا ولا يخفى ما فيه وسيأتي كلام ابن دقيق العيد قريبا وأما رواية الاستبراء فهي أبلغ في التوقي وتعقب الإسماعيلي رواية الاستتار بما يحصل جوابه مما ذكرنا قال ابن دقيق العيد لو حمل الاستتار على حقيقته للزم ان مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية يشير إلى ما صححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعا أكثر عذاب القبر من البول أي بسبب ترك التحرز منه قال ويؤيده ان لفظ من في هذا الحديث لما أضيف إلى البول اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول بمعنى ان ابتداء سبب العذاب من البول فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى فتعين الحمل على المجاز لنجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد لان مخرجه واحد ويؤيده ان في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجة أما أحدهما فيعذب في البول ومثله للطبراني عن أنس ( قوله من بوله ) يأتي الكلام عليه في الترجمة التي بعد هذه ( قوله يمشى بالنميمة ) قال ابن دقيق العيد هي نقل