ابن حجر العسقلاني
206
فتح الباري
وثلاثا فان نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ وهو مرسل رجاله ثقات وأجيب عن الحديث أيضا بان الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه بل أكثرهم مقتصر على قوله فمن زاد فقط كذا رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره ومن الغرائب ما حكاه الشيخ أبو حامد الأسفرايني عن بعض العلماء انه لا يجوز النقص من الثلاث وكأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور وهو محجوج بالاجماع وأما قول مالك في المدونة لا أحب الواحدة الا من العالم فليس فيه ايجاب زيادة عليها والله أعلم ( قوله وكره أهل العلم الاسراف فيه ) يشير بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق هلال بن يساف أحد التابعين قال كان يقال من الوضوء اسراف ولو كنت على شاطئ نهر وأخرج نحوه عن أبي الدرداء وابن مسعود وروى في معناه حديث مرفوع أخرجه أحمد وابن ماجة باسناد لين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ( قوله وان يجاوزوا الخ ) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن ابن مسعود قال ليس بعد الثلاث شئ وقال أحمد واسحق وغيرهما لا تجوز الزيادة على الثلاث وقال ابن المبارك لا آمن أن يأثم وقال الشافعي لا أحب ان يزيد المتوضئ على ثلاث فان زاد لم أكرهه أي لم أحرمه لان قوله لا أحب يقتضى الكراهة وهذا الأصح عند الشافعية أنه مكروه كراهة تنزيه وحكى الدارمي منهم عن قوم ان الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة وهو قياس فاسد ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها انه لا يندب تجديد الوضوء على الاطلاق واختلف عند الشافعية في القيد الذي يمتنع منه حكم الزيادة على الثلاث فالأصح ان صلى به فرضا أو نفلا وقيل الفرض فقط وقيل مثله حتى سجدة التلاوة والشكر ومس المصحف وقيل ما يقصد له الوضوء وهو أعم وقيل إذا وقع الفصل بزمن يحتمل في مثله نقض الوضوء عادة وعند بعض الحنفية انه راجع إلى الاعتقاد فان اعتقد أن الزيادة على الثلاث سنة أخطأ ودخل في الوعيد والا فلا يشترط للتحديد شئ بل لو زاد الرابعة وغيرها لا لوم ولا سيما إذا قصد به القربة للحديث الوارد الوضوء على الوضوء نور ( قلت ) وهو حديث ضعيف ولعل المصنف أشار إلى هذه الرواية وسيأتي بسط ذلك في أول تفسير المائدة إن شاء الله تعالى ويستثنى من ذلك ما لو علم أنه بقي من العضو شئ لم يصبه الماء في المرات أو بعضها فإنه يغسل موضعه فقط وأما مع الشك الطارئ بعد الفراغ فلا لئلا يؤل به الحال إلى الوسواس المذموم ( قوله باب لا تقبل صلاة بغير طهور ) هو بضم الطاء المهملة والمراد به ما هو أعم من الوضوء والغسل وهذه الترجمة لفظ حديث رواه مسلم وغيره من حديث ابن عمر وأبو داود وغيره من طريق أبى المليح بن أسامة عن أبيه وله طرق كثيرة لكن ليس فيها شئ على شرط البخاري فلهذا اقتصر على ذكره في الترجمة وأورد في الباب ما يقوم مقامه ( قوله لا تقبل ) كذا في روايتنا بالضم على البناء لما لم يسم فاعله وأخرجه المصنف في ترك الحيل عن إسحاق بن نصر وأبو داود عن أحمد بن حنبل كلاهما عن عبد الرزاق بلفظ لا يقبل الله والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الاجزاء وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة ولما كان الاتيان بشروطها مظنة الاجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازا وأما القبول المنفى في مثل قوله صلى الله عليه وسلم من أتى عرافا لم تقبل له صلاة فهو الحقيقي لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع ولهذا كان بعض السلف يقول لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلى من جميع الدنيا قاله ابن عمر قال لان الله تعالى قال انما يتقبل الله من المتقين