ابن حجر العسقلاني

196

فتح الباري

لا نقص في علم الله ولا نهاية لمعلوماته وقد وقع في رواية ابن جريج بلفظ أحسن سياقا من هذا وأبعد اشكالا فقال ما علمي وعلمك في جنب علم الله الا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر وهو تفسير للفظ الذي وقع هنا قال وفى قصة موسى والخضر من الفوائد أن الله يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء مما ينفع أو يضر فلا مدخل للعقل في أفعاله ولا معارضة لاحكامه بل يجب على الخلق الرضا والتسليم فان ادراك العقول لأسرار الربوبية قاصر فلا يتوجه على حكمه كم ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث وأن العقل لا يحسن ولا يقبح وأن ذلك راجع إلى الشرع فما حسنه بالثناء عليه فهو حسن وما قبحه بالذم فهو قبيح وأن لله تعالى فيما يقضيه حكما وأسرارا في مصالح خفية اعتبرها كل ذلك بمشيئته وارادته من غير وجوب عليه ولا حكم عقل يتوجه إليه بل يحسب ما سبق في علمه ونافذ حكمه فما أطلع الخلق عليه من تلك الاسرار عرف والا فالعقل عنده واقف فاليحذر المرء من الاعتراض فان مآل ذلك إلى الخيبة قال ولننبه هنا على مغلطتين الأولى وقع لبعض الجهلة ان الخضر أفضل من موسى تمسكا بهذه القصة وبما اشتملت عليه وهذا انما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة ولم ينظر فيما خص الله به موسى عليه السلام من الرسالة وسماع كلام الله واعطائه التوراة فيها علم كل شئ وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى وأدلة ذلك في القرآن كثيرة ويكفى من ذلك قوله تعالى يا موسى انى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وسيأتي في أحاديث الأنبياء من فضائل موسى ما فيه كفاية قال والخضر وإن كان نبيا فليس برسول باتفاق والرسول أفضل من نبي ليس برسول ولو تنزلنا على أنه رسول فرسالة موسى أعظم وأمته أكثر فهو أفضل وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم وان قلنا إن الخضر ليس بنبي بل ولى فالنبي أفضل من الولي وهو أمر مقطوع به عقلا ونقلا والصائر إلى خلافه كافر لأنه أمر معلوم من الشرع بالضرورة قال وانما كانت قصة الخضر مع موسى امتحانا لموسى ليعتبر الثانية ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا انه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص بل انما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار فتنجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على اسرار الكائنات ويعلمون الاحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما ينجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى ويؤيده الحديث المشهور استفت قلبك وان أفتوك قال القرطبي وهذا القول زندقة وكفر لأنه انكار لما علم من الشرائع فان الله قد أجرى سنته وأنفذ كلمته بان أحكامه لا تعلم الا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المثبتين لشرائعه وأحكامه كما قال تعالى الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس وقال الله أعلم حيث يجعل رسالاته وأمر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به وحث على طاعاتهم والتمسك بما أمروا به فان فيه الهدى وقد حصل العلم اليقين واجماع السلف على ذلك فمن ادعى ان هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغنى بها عن الرسول فهو كافر يقتل ولا يستتاب قال وهى دعوى