عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي )

66

الاستخراج لأحكام الخراج

والغنائم لم تبح لمن كان قبلنا ، وإنما أبيحت لنا معونة على مصلحة الدين وأهله ، فمن نفع المجاهدين بنفع استعانوا به على تمام جهادهم جعل منهم ، وإن لم يحضر ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « المسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ، ويرد متسريهم على قاعدهم ، فإنما المتسرى إنما يسرى بقوة القاعد » « 1 » فالمعاونون للمجاهدين من المجاهدين ، فإذا رأى الإمام إشراك من فيه منفعة للمسلمين في الغنيمة جاز ، كما يجوز أن يفضل بعض الغانمين على بعض للمصلحة في أصح القولين ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد . ويدل عليه إعطاء النبي صلى اللّه عليه وسلم المؤلفة من غنائم حنين ، وكان شيئا كثيرا لا يحتمله الخمس . ومما يستدل به على أن الأرض لا تجب قسمتها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم فتح مكة « 2 » ، وكان فتحه عنوة - على أصح القولين كما دلت عليه النصوص الصحيحة - ولم يقسمها بل أطلقها لأهلها . ومن عليهم بأنفسهم وذراريهم وأموالهم حيث أسلموا قبل قسمة ذلك كله ، ولم يعوض أحدا من الجيش معه عن ذلك شيئا ، بخلاف مال هوازن - لما رده عليهم بعد القسمة - فإنه عوض من لم يرض بالرد . الأصل الثالث : فعل عمر رضي اللّه عنه في أرض العنوة التي فتحت في زمانه . فإنه لم يقسمها بين الغانمين ، وكان قد عزم على قسمة بعضها ثم رجع عن ذلك . وروى أنه قسم بعضها ثم استرد ما قسمه « 3 » ، كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 2751 ) ، و « المنتقى » لابن الجارود ( 1073 ) ، والبيهقي في « الكبرى » ( 9 / 51 ) ( 8 / 193 ) والحديث حسن ولأوله شواهد كثيرة . ( 2 ) انظر « رؤوس المسائل الخلافية » العكبري ( 5 / 744 ) . ( 3 ) أخرجه أبو عبيد في « الأموال » ( 87 ) ، ويحيى بن آدم في « الخراج » ( 43 ) ، وأبو يوسف في « الخراج » ( 31 - 32 ) .