عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي )
172
الاستخراج لأحكام الخراج
والحالة الثانية : أن يحصل في يد الإنسان شيء بغير قسمة ، فنذكره في باب مفرد إن شاء اللّه تعالى . فمن هنا كان أحمد يتورع عن أجرة دور بغداد ، فتارة كان يخرج منه الخراج ، وتارة كان لا يخرج ، ويقدم حاجته على ذوي الحاجات ، لأنّه محتاج أيضا . وقال : يأخذ بقدر حاجته ويتصدق بالفضل « 1 » . وأما أرض السواد فإن كان الملوك يعطونها بغير خراج فهي كدور بغداد - إلا أن يضعوا عنه الخراج - فإن فيه خلافا بين أحمد وإسحاق ، وسنذكره في موضع آخر إن شاء اللّه تعالى . وأما إن كانوا يعطونها بالخراج ، فهذه مأخوذة معاوضة ، والأئمة لهم ولاية ذلك . فلا ينبغي التوقف في جوازه ، وإنما وقعت الكراهة في كلام أحمد على الحالة الأولى ، لأنّ الغالب كان في زمانه استيلاء الملوك على السواد واستقطاعه واستصفاؤه لأنفسهم وأعوانهم ، ولهذا كان أهل الورع الدقيق من العلماء كابن سيرين ، والثوري ، وأحمد ، يتشددون في قطائع الأمراء وصوافهم لأنفسهم وأعوانهم ، ولا يرون السكنى فيها ولا الأكل من زرعها ، لأنها في أيديهم كالغصب : كأنها من مال الفيء ، وهم مستولون عليها بغير حق ولا يعوضون المسلمين بخراج ولا غيره . وفي « زاد المسافر » قال أبو عبد اللّه في رواية حنبل : هذه مكة ، إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة دخلها النبي صلى اللّه عليه وسلم بالسيف ، فكل ما كان عنوة كان المسلمون فيه شرعا واحدا ، وعمر رضي اللّه عنه إنما ترك السواد لذلك . وقال عمر رضي اللّه عنه : لا تمنعوا نازلا بليل ولا نهار لأهل مكة ؛ لأنه لم يجعل لهم ملكا دون الناس ، فالحاج فيه سواء العاكف فيه والباد - المقيم فيه والقادم - والسواد وكل عنوة كذلك . انتهى « 2 » .
--> ( 1 ) « الورع » للمروزي ( 26 ) . ( 2 ) « الأحكام السلطانية » لأبي يعلى ( 189 ، 208 ) .