علي بن محمد التوحيدي
76
أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد )
إن رمت ذاك في عالم الكون والفساد ، ودار الامتحان والتكليف ، مع هذه الطبائع المختلفة ، والعناصر المتمازجة ، والأسباب القريبة « 1 » ، رمت محالا ، ورائم المحال خابط ، وطالب الممتنع خائب ، ومحاول ما لا يكون مكدود معنّى ، ومحدود معدّى « 2 » ، ومرجعه إلى النّدم ، وغايته الأسف الذي يشجو النّفس ، ويمرس الفؤاد ، ويوجع القلب ويضاعف الأسى ، وربما أفضى إلى العطب . قد ذكرنا - حاطك اللّه - جملة من القول رأينا تقديمها والاستظهار بها ، قبل أخذنا فيما أنشأنا له هذا الكلام ، قصدا لفلّ حدّ الطاعن ، وحسما لمادّة الحاسد ، وتعليما للجاهل ، وإرشادا للمتحيّر ، واحتجاجا على من يدلّ بحفظ اللّسان ، وكتمان السّر ، وطيّ القبيح ، ومسالمة الناس ، واغتفار « 3 » المنكر ؛ وهو مع ذلك في قوله كالأسد في غيله ، والنّمر في أشبه « 4 » ، والثّعبان في وجاره ، حتى إذا غمز غمزة ، أو وخز وخزة رأيت معاقد حلمه متحلّلة ، ودخائر صبره منتهبة ، وكظمه الذي
--> ( 1 ) كذا « القريبة » بالأصل . ( 2 ) المحدود : المحروم ، والمعدّى : المتجاوز به عن الغرض ، يعنى : مصروف عن هدفه إلى غيره . ( 3 ) اغتفار المنكر : غفرانه . ( 4 ) موضع أشب : كثير الشجر .