علي بن محمد التوحيدي

61

أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد )

وأما الجاحظ فإنّه يقول في رسالة : سألتني - أبقاك اللّه - عن فلان ، وأنا أخبرك بالأثر الذي يدلّ على صحّة الخبر ، وبالواضح الذي يدلّ على الخفيّ ، والظاهر الذي يقضي على الباطن ؛ فتفهّم ذلك - رحمك اللّه - ولا قوة إلا باللّه . فمن ذلك أني رأيته ، وهو في جيرانه كالحيضة المنسية « 1 » ، وكلّهم يعرفه بالأبنة ، وله غلام مديد القامة ، عظيم الهامة ، ذو ألواح وأفخاذ وأوراك وأصداغ ؛ أشعر القفا ، يلبس الرقيق من الثّياب ، ويثابر على العطر ودخول الحمّام ، ويتزيّن ويقلّم الأظفار ؛ وكان - مع هذه الصّفة - المدبّر لأمره ، والمشفّع لديه ، والحاكم على مولاه دون بنيه وأهله وخاصّته ، والصارف له عن رأيه ، إلى رأيه ، وعن إرادته إلى هواه ، وكان أكثر أهله معه جلوسا ، وأطولهم به خلوة ، ولا يبيت إلّا معه ، وإذا غضب حزنه غضبه وطلب رضاه ، وكان أيام ولايته لا يتقدّمه قريب ولا بعيد ، ولا شريف ولا وضيع ؛ إن ركب فهو في موضع صاحب الحرس من الخليفة ، وإن قعد ففي موضع الولد السارّ والزوجة البارّة ، وإن التوت على أحد حاجة كان له من ورائها ،

--> ( 1 ) الحيضة : الخرقة التي تستثفر بها المرأة . والمنسية : خرقة الحيض التي يرمى بها فتنسى لحقارتها ( ل : حيض - نسي ) .