علي بن محمد التوحيدي
38
أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد )
وكنت هممت ببعض هذا منذ زمان ، فكبح عناني عن ذلك بعض أشياخنا وقصّر إرادتي دونه ، وزعم أن الاختيار الحسن ، والأدب المرضيّ ينهيان عنه ، ولا يجوّزان الخوض فيه ؛ لأنّ الغيبة والقذع والعضيهة « 1 » والتّقبيح والسّبّ المؤلم والكلام القاشر « 2 » ، والمكاشفة بالملامة « 3 » والشتيمة بلا مراقبة ليست من أخلاق أهل الحكمة ، ولا من دأب ذوي الأخلاق الكريمة ، وقد قال بعض الحكماء : لا تكوننّ الأرض أكتم منا للسّر ؛ ومن اعتاد الوقيعة في الأعراض ، ومباداة الناس بالسّفه « 4 » ، وثلبهم بكل ما جاش في الصّدر ، وتذرّع به اللّسان ، فليس ممّن يذكر بخير ، أو يرجى له فلاح ، أو يؤمن معه عيب ؛ قال : وهل الحلم إلا في كظم الغيظ ، وفي تجرّع المضض ، وفي الصّبر على المرارة ، وفي الإغضاء عن الهفوات ؛ ومن لك بالمهذّب النّدب « 5 » الذي لا يجد العيب إليه مختطى « 6 » ، والأول « 7 » يقول :
--> ( 1 ) العضيهة : الإفك والبهتان . ( 2 ) القاشر : الجارح ، والقاشرة : أول الشجاج التي تقشر الجلد . ( 3 ) في الأصل : « بالعلامة » . ( 4 ) مباداة الناس بالسّفه : مجاهرتهم به . ( 5 ) الندب : الخفيف الظريف السريع إلى الفضائل . ( 6 ) مختطى : سبيلا يختطى إليه منه . ( 7 ) هو النابغة الذبياني ، وترجمته مع الإشارة إلى مراجعها في كتاب « المكاثرة عند المذاكرة » للطيالسي صحيفة 31 .