علي بن محمد التوحيدي

المقدمة 15

أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد )

وبهذه المواهب جميعا حضر مجلس الصّاحب ، فرأى وسمع ولقى منه ما ملأ عليه حواسّه ، فسجل وقعه الأليم على نفسه في كتابه هذا ، وأخرجه صورا معبّرة رائعة ناطقة ، أبان فيها أبو حيان عن أصالة فنّية خالدة . أما أبو الفضل ابن العميد ، فإن أبا حيان - حسبما حكى عن نفسه - لم يحضر مجلسه إلا مرتين ؛ فشاهد في إحداهما أعوان أبي الفضل يخرجون من مجلسه - بمشهد منه - رجلا غريبا صائما ، في عشية من عشايا رمضان وقت الإفطار « 1 » . وشاهد في ثانيتهما محنة شاعر من الكرخ مدح ابن العميد أبا الفضل فلم يجزه بشيء رغم إلحاحه ومطالبته له أمام الحضور « 2 » . ومع ذلك ، فقد تركت هاتان الحادثتان في نفسه آثارا بلغ من بعد غورها أن رآه أهلا لأن يقرن في أخلاقه بالصاحب ، وجعل يتتبّع أخباره ويستقصي نقائصه ، نقلا عن جلّاسه وخواصّه ، إلى أن اجتمع له ما نقرؤه في كتاب الأخلاق عن أبي الفضل . ورأى أبو حيان - وقد اتّصل بأبي الفتح ابن العميد وجالسه وأعجب به - أن يذكره في كتابه ، بعد أن خاض في حديث أبيه أبي الفضل ، فأثنى عليه وأفاض ،

--> ( 1 ) الأخلاق 362 . وقد نقل الصاحب ابن عباد ما يشبه هذه الحادثة عن أبي الفضل أيضا . المعاهد 2 / 154 ؛ وانظر محاضرات الراغب 1 / 315 . ( 2 ) الأخلاق 334 ؛ وشهد لها ما يذكره ابن خلكان ، الوفيات 2 / 75 ؛ 76 .