ابن المقفع
87
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
عرف بالدّهاء خاتل علانية وحذره النّاس حتّى يمتنع منه الضّعيف . وإنّ من إرب « 1 » الأريب دفن إربه ما استطاع حتّى يعرف بالمسامحة في الخليقة والاستقامة في الطّريقة ومن إربه ألا يؤارب العاقل المستقيم له الذي يطّلع على غامض إربه فيمقته عليه . 5 - إن أردت السّلامة فأشعر قلبك الهيبة للأمور من غير أن تظهر منك الهيبة ، فيفطن النّاس لهيبتك ، وتجرّئهم عليك ، ويدعو ذلك إليك منهم كلّ ما تهاب . فأشعب لمداراة ذلك من كتمان المهابة وإظهار الجراءة والتهاون طائفة من رأيك ، وإن ابتليت بمجازاة ، عدوّ مخالف فالزم هذه الطريقة التي وصفت لك من استشعار الهيبة وإظهار الجراءة والتّهاون ، وعليك بالحذر في أمرك والجراءة في قلبك حتّى تملأ قلبك جراءة ويستفرغ عملك الحذر . 6 - إنّ من عدوّك من تعمل في هلاكه ومنهم من تعمل في البعد عنه ، فاعرفهم على منازلهم . ومن أقوى القوّة لك على عدوّك وأعزّ أنصارك في الغلبة له ، أن تحصي على نفسك العيوب والعورات « 2 » كلّما أحصيتها على عدوّك ، وتنظر عند كلّ عيب تراه أو تسمعه لأحد من النّاس ، هل قارفت « 3 » مثله أو مشاكله . فإن كنت قارفت منه شيئا فأحصه في ما تحصي على نفسك حتى إذا أحصيت ذلك كلّه ، فكابر عدوّك بإصلاح عيوبك وتحصين عوراتك وإحراز مقاتلك . وخذ نفسك بذلك ممسيا مصبحا ، فإذا آنست منها دفعا لذلك أو تهاونا به فاعدد نفسك عاجزا ضائعا خائبا معورا لعدوّك ممكّنا له من رميك . وإن حصل من عيوبك بعض ما لا تقدر على إصلاحه من أمر قد مضى
--> ( 1 ) الإرب : الحاجة . ( 2 ) العورات : جمع عورة وهي ما يستحيا منه . ( 3 ) قارفت مثله : اقترفته ، ارتكبته .