ابن المقفع

82

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

فإنّه ليس من هذا شيء إلا وهو ريح جنّة تسلب العقل وتذهب الوقار وتصرف القلب والسّمع والبصر واللسان عن المنافع . اعلم أن انقباضك « 1 » عن النّاس يكسبك العداوة وأنّ انبساطك لهم يكسبك صديق السوء . وفسولة « 2 » الأصدقاء أضرّ من بغض الأعداء ، فإنّك إن واصلت صديق السوء أعيتك جرائره ، وإن قطعته شانك اسم القطيعة ، وألزمك ذلك من يرفع عيبك ولا ينشر عذرك فإن المعايب تنمى والمعاذير لا تنمى . * سياسة العقلاء والجهلة ألبس النّاس لباسين ليس للعاقل بدّ منهما ولا عيش ولا مروءة إلا بهما : لباس انقباض واحتجاز تلبسه للعامّة فلا تلفينّ إلا متحفّظا متشدّدا متحرّزا مستعدّا . ولباس انبساط واستئناس تلبسه للخاصّة من الثّقات فتتلقاهم ببنات صدرك « 3 » وتفضي إليهم « 4 » بموضوع حديثك . وتضع عنك مئونة الحذر والتحفّظ في ما بينك وبينهم ، وأهل هذه الطبقة الذين هم أهلها قليل ، لأنّ ذا الرأي لا يدخل أحدا من نفسه هذا المدخل إلا بعد الاختبار والسّبر والثقة بصدق النّصيحة ووفاء العهد . * اللسان من وراء العقل اعلم أن لسانك أداة مصلتة يتغالب عليه عقلك وغضبك وهواك وجهلك ، فكلّ غالب عليه مستمتع به وصارفه في محبّته . فإذا غلب عليه عقلك فهو ذلك وإذا غلب عليه شيء من أشباه ما سمّيت لك فهو لعدوّك ، فإن استطعت أن تحتفظ به فلا يكون إلا لك ولا يستولي عليه أو يشاركك عدوّك فيه فافعل .

--> ( 1 ) الانقباض عن النّاس : الانكماش . ( 2 ) فسولة الأصدقاء : فتورهم . ( 3 ) بنات الصدر : الأفكار والخواطر . ( 4 ) تفضي إليهم : توصل إليهم ، تعلمهم بالسرّ .