ابن المقفع
78
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
وإنّما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع فإن أخطأك ذلك أدخلت المحنة على عملك حتّى تأتي به إن اتيت به في غير موضعه وهو لا بهاء ولا طلاوة له . ليعرف العلماء حين تجالسهم أنّك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول . * تجنّب الهزل إن آثرت أن تفاخر أحدا ممّن تستأنس إليه في لهو الحديث فاجعل غاية ذلك الجدّ ولا تعدونّ « 1 » أن تتكلم فيه بما كان هزلا . فإذا بلغ الجدّ أو قاربه فدعه ولا تخلطنّ بالجد هزلا ، ولا بالهزل جدا فإنّك إن خلطت بالهزل جدا هجّنته وإن خلطت بالهزل جدا كدّرته . غير أني قد علمت موطنا واحدا إن قدرت أن تستقبل فيه الجدّ والهزل أصبت الرأي وظهرت على الأقران « 2 » وذلك إن يتورّدك متورّد بالسّفه والغضب فتجيبه إجابة الهازل المداعب « 3 » برحب من الذّرع وطلاقة من الوجه « 4 » وثبات من المنطق . * علاقة الصاحب بالعدوّ إن رأيت صاحبك مع عدوّك فلا يغضبنّك ذلك فإنّما هو أحد رجلين : إن كان رجلا من إخوان الثّقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوّك ، لشرّ يكفّه عنك وعورة « 5 » يسترها منك وغائبة يطّلع عليها لك . فأما صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك ، وإن كان رجلا من غير خاصّة إخوانك ، فبأيّ حقّ تقطعه عن النّاس وتكلّفه ألا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى .
--> ( 1 ) لا تعدونّ : لا تتخبطنّ أو لا تتجاوزن . ( 2 ) الأقران : جمع قرين وهو العشير والزوج والصاحب . ( 3 ) المداعب : الملاعب . ( 4 ) طلاقة الوجه : بشاشته . ( 5 ) العورة : كل ما يستحيا منه ، العيب .