ابن المقفع
73
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
وإمّا ألا يكون ذلك عندك فما أنت مصيب من حاجتك عندهم بمقاربتك وملاينتك . وما أنت واجد في موافقتك إيّاهم ولينك لهم من موافقتهم إيّاك ولينهم لك أفضل مما أنت مدركه بالمنافسة والمناظرة . 22 - لا تجترئنّ على خلاف أصحابك عند الوالي ثقة باعترافهم لك ومعرفتهم بفضل رأيك . فإنّا قد رأينا الناس يعترفون بفضل الرجل وينقادون له ويتعلّمون منه وهم معه . فإذا حضروا السلطان لم يرض أحد منهم أن يقرّ له ، ولا أن يكون له عليه في الرأي والعلم فضل ، فاجترءوا عليه بالخلاف والنّقض . فإن ناقضهم كان كأحدهم وليس بواجد في كلّ حين سامعا فهما وقاضيا عدلا وإن ترك مناقضتهم صار مغلوب الرأي مردود القول . 23 - إذا أصبت عند الوالي لطف منزلة لغناء « 1 » يجده عندك أو هوى يكون له فيك فلا تطمحنّ كل الطّماح . ولا تزيننّ لك نفسك المزايلة له عن أليفه وموضع ثقته وسرّه قبلك ، بأن تقتلعه وتدخل دونه . فإن هذه خلّة « 2 » من خلال السّفه « 3 » قد يبتلي لها الحلماء عند الدنوّ من ذي السّلطان حتّى يحدث الرجل منهم نفسه أن يكون دون الأهل والولد لفضل يظنّه في نفسه أو نقص يظنّه بغيره . ولكلّ رجل من الملوك أو ذي هيئة من السّوقة « 4 » أليف وأنيس قد عرف روحه واطّلع على قلبه فليست عليه مئونة في تبذّل « 5 » يتبذّل له عنده ، أو رأي يستنزله منه أو سرّ يفشيه إليه .
--> ( 1 ) الغناء : الاكتفاء ، اليسار . ( 2 ) الخلّة : الخصلة . ( 3 ) السّفه : الجهل ، رداءة الخلق . ( 4 ) السّوقة : الرعيّة من النّاس ، واللفظة للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث . ( 5 ) التبذّل : ترك الاحتشام والرثاثة والمبتذل الكثير الاستعمال .