ابن المقفع

44

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

ونذكر المحفزات التي ساعدت على ظهور هذه الطاقات التعبيرية . وتكاد هذه الأطوار تنحصر في ثلاثة : أولها طور النثر الخطابي الذي يبدأ في الجاهلية ويستمر في العصور التالية مع شيء من الاتساع اقتضته طبيعة الحياة الاجتماعية والسياسية . وثانيها النثر في الدواوين . وثالثها نثر الكتاب . والطور الأخير بنوع خاص كان مدينا لتلك الحركة الواسعة في النقل التي بدأت في العصر الأموي على نطاق ضيّق ، إلى أن اتسعت ونشطت وبلغت أوجها في العصر العباسي . وحركة الترجمة هذه ، إنما هي عنوان هذا التفاعل الخلّاق الذي قام بين العرب من ناحية والثقافات التي كانت منتشرة في البلدان المفتتحة - في مصر وسوريا وبلاد فارس - من ناحية ثانية ، والتي كان للنقلة ومنهم ابن المقفع الأثر الأكبر في تقريب مناهلها من العرب . ويتضح مما تقدم أن النثر الكتابي قد بدأ محدود المساحة لكنّه لم يلبث أن ارتقى واتسع مجراه ، فصقلت عبارته وسهلت ، وراح يؤدي رسالته في حركة التأليف التي شملت العلوم الأصيلة والدخيلة في القرن الثالث للهجرة . فتباين الأسلوب عند ابن المقفع والجاحظ - مثلا - مرتبط ، ولا ريب ، بطبيعة هذا النثر في عهد الترجمة ، وطبيعته في عهد التأليف . ولهذا السبب بالذات كان عبد اللّه بن المقفع « يجهد نفسه وكأنه ينحت من صخر » وكان الجاحظ « لا يجد مشقة ولا جهدا » . كما يقول طه حسين في كتابه « من حديث الشعر والنثر » . * وقد لا نجد صعوبة في تفهم قول طه حسين ، إذا أرجعنا تباين الأداء الفني عند ابن المقفع والجاحظ إلى هذا التباين الذي يظهر عادة بين أسلوب المترجم ، وأسلوب الكاتب المؤلف ، والذي يستند أصلا ، إلى ما بين الترجمة التي هي نقل ، والتأليف الذي هو وضع ، من اختلاف في الجوهر متعارف عليه ، لا يضطرنا إلى شيء من العناية في إثباته . وشيء آخر لا بدّ من ملاحظته ، هو هذا الفرق بين طوري لغة الكتابة : طور الترجمة ، وطور التأليف .