ابن المقفع
35
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
وعدم المعاتبة أو الاغترار بالمؤانسة تماديا وتغافلا . ويدعو إلى مداراة السلطان خوفا من تقلب أهوائه حتى ولو كانت صحبته قديمة . وهو يصدر في هذه الوصايا عن تجربة كأن يقول : « ربما رأينا الرجل المدلّ على ذي السلطان بقدمه قد أضرّ به قدمه » . ويحذر صحبة السلطان من الملق ، والإكثار من الدعاء ، ومشايعة الأهواء في ولاية أمور الناس ، دفعا للاتهام . وجدير بمن صحب السلطان إذا رأى منه خللا بشؤون الناس ومضيعة للحقوق ، وسيرة غير صالحة ، ألا يجعل ميله معه ، على الرعية أو مع الرعية عليه . وأن يتوخّى أحسن السبل للإصلاح ، فمن الصعب تحويل السلطان عما يحب أو يكره ، إلا بطول الإناة ، والتلطّف ، وسداد الرأي حتى تقوى محاسنه « فإذا قويت منه المحاسن كانت هي تكفيك المساوئ » . ويوصي ابن المقفع من كانت له حاجة عند السلطان ألا يكثر من المسألة ، أو الاستبطاء ، وأن يتّخذ سبيل الجدارة والأناة . ومن نصائحه للوزراء ، أن يأمنوا شرّ ذوي الغيرة والحسد لئلا يفسدوا ما بينهم وبين السلطان من ثقة وودّ ، ويدعوهم إلى العناية في القول ، وعدم الإغلاظ فيه ، وألا يتكلّموا إلا إذا سئلوا ، وألا يتشفّعوا لمن سخط عليه السلطان إلا إذا رجع المسخوط عليه عن إساءته ، ولان قلب السلطان بعد غضبه ، وألا يستنكفوا في ممالأة السلطان في الرأي ، أو خدمته أو الإقدام على الاستعفاء من الأعمال التي يطلبها إلا إذا كان « يكرهها ذو الدين وذو العقل وذو العرض وذو المروءة » . وفي هذا الباب الكثير من الآداب التي تخصّ جلساء السلطان ، كحسن الاستماع إليه ، وعدم الاستئثار بصحبته ومعاتبه النظراء من الوزراء والأعوان ، وكتمان ما يكره من السلطان . ويختتم ابن المقفع هذه المقالة بتبيان مضار صحبة السلاطين كأن يقول « إنّك لا تأمن أنفة « 1 » الملوك إن علمتهم ، ولا تأمن عقوبتهم إن كتمتهم ، ولا
--> ( 1 ) تجد تفصيل ذلك في الرسالة . وقد تصدّى أحمد أمين لتحليل بعض هذه الجوانب في « ضحى الإسلام » الجزء الأول .