ابن المقفع
28
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
على أننا إذا نفينا عن الكتاب التحليل الدقيق والاستيفاء في البحث ، والتبسّط في القول ، لا يمكن أن ننفي عنه وحدة الغرض ، لأن ما ورد فيه من قول ناصح ، وتوجيه راشد ، وما فيه من هداية إلى الخير ، وردع عن الشرّ وحثّ على الفضائل وزجر عن العيوب ، تجعل منه نخبه من الكلم الرفيع بعيدة الأثر في تقويم النفس ، وتهذيب الخلق ، وتنمية المدارك ، وتوعية العقول والضمائر ، لا يضيرها أنها أشبه بزهرات متناثرة في « الإصلاح الخلقي » أو أنها ثمرات يانعة تتدلّى متباعدة الأفنان ، وكأن كل زهرة منها ، أو ثمرة ، فيها أمثولة مستقلة في ذاتها ، لها أريجها ومذاقها . والكتاب على هذا النحو لا يعرض شؤون الحياة في إطار معضلة متصلة الخطوط ، وإنّما يجعل الحياة مواقف ، لكل موقف إطاره ، ولكل إطار خطوطه . فهو بهذا مجموعة من تجارب وباعث على تأملات . وحياة الفرد لا تتسع للإحاطة بكل هذه التأمّلات ، فقارئه يجني العطاء منه بعد العطاء ، ويبقي الكتاب يحمل أسباب الاستمرار والبقاء . والدارس للكتاب ، المتفهم لجوانبه ، الناظر في « كلماته » بالرويّة والأناة ، يدرك أنّ جلّ ما ورد فيه يخاطب العاقل من الناس ، ويحدد له الفضائل التي يجب التزيّن بها ، والرذائل التي ينبغي تركها والإقلاع عنها ، لكي يتصف بالحكمة تطلعا إلى التفوّق في الدنيا ، والنجاة في الآخرة : ففضيلة العقل في ما يطلب أو يتّقي النظر في العواقب ، بحيث « يتوقّى عاجل اللذات طلبا لآجلها ، ويتحمل قريب الأذى توقيا لبعيده » . وأن يتوخّى « تنفيذ البصر بالعزم . فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران ، ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانة محروم » . وتظهر في الكتاب شخصية سقراط وحكمته ، في الدعوة إلى معرفة النفس ومحاسبتها وإحصاء محاسنها ومساوئها ، استصلاحا لشأنها وتوخيا للكمال . وفي سبيل ذلك ينصح بمجاورة ذوي الفضل في العلم والدين والأخلاق لأن « الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمي إلا بالموافقين والمؤيدين » ، ومن شأن العاقل في مذهبه « ألا يحزن على شيء فاته من