ابن المقفع
174
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
عليه العدد من المحامد ثم انحدرنا في ما أصعدنا فيه من هذا النسب فعدنا إلى الإخاء فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلّها أخلاقه . ولما استوجب الإخاء مسالك « 1 » المحمدة « 2 » كلّها رأينا أن نتخيّر له المواضع في صواب التوزير ، وأحكام التقدير وعلمنا أن الاحتباس به أحسن من الندم بعد بذله واستوجب إذ كان جماع المحامد أن نتحيز له محامله التي كان يحمل عليها . فكان الناس في ما احتسبنا به عنهم من الإخاء على صنفين فصنف عذرونا بالتحبس للتخير إذ كان التخيّر من شأنهم ، وصنف هم ذوو سرعة إلى الإخاء وسرعة في الانتهاء فقدّموا اللائمة واستعجلوا بالمودّة ، وتركوا باب التروية ، واستحلوا عاجل المحبة ، ولهوا عن اجل الثقة فكانوا بذلك أهل لائمة ولم يجد المعذرون إلا الصبر على تلك والاستعمال والاستعداد بالعذر عند المحاجة « 3 » . وقد فهمت كتابك إلي بالمودة واستحثاثك إيّاي في الأخوة ، وما دنوت به من حرمة المحبة فنازعت إليك نفسي بمثل الذي نازعت به إلي نفسك ، فواثبتني عادة الاستعمال للتروية في الخبرة والتحيز للمغبة « 4 » ، فجلت عن كتابك جولة غير نافرة ثم راجعت مقاربتك . فقلت ألقى إلي أسباب المودة قبل كشف الغطاء بالخبرة ، فخشيت أن تعذر نفسك بالتقدم وتحدث الزهادة « 5 » للتعسف بالجهالة عند الخبرة ، فجلت عن هذا جولة كالجولة الأولى . . . ثم عاودت إسعافك وطاعة التشوق ومعصية التخير . . ثم قلت : ما حال من جعل الظّن دون اليقين والتقدم قبل الوثيقة . فلما كان الرأي لي خصما تنكبت الوقوع في خلافه . . فلم أجد إلا الإدبار عن إقبالك سبيلا . . ولا من ذلك في طاعة الشوق حجة فتغيبت السبيل .
--> ( 1 ) المسالك : السبل والدروب ، جمع مسلك . ( 2 ) المحمدة : ما يحمد من الأمور . ( 3 ) المحاجة : الجدل والمناظرة بين اثنين أو أكثر على أن يقدّم كل فريق ما عنده من البراهين والبيّنات . ( 4 ) المغبة : عاقبة الشيء . ( 5 ) الزهادة : الإعراض عن الشيء احتقارا له .